ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَرْفُوعًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ، وَدَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ كَظْمِ الْغَيْظِ، وَالْحِلْمِ عَنْ أَهْلِ الْجَهْلِ، وَالتَّرَؤُّفِ عَلَى مَنْ أَدْخَلَ نَفْسَهُ فِي غِمَارِ الْأَشْرَارِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ، وَالتَّشَمُّرِ فِي تَخْلِيصِهِ، وَالتَّلَطُّفِ فِي افْتِدَائِهِ، وَالِاشْتِغَالِ بِذَلِكَ عَنِ الشَّمَاتَةِ بِهِ وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى كَيْفَ تَمَنَّى الْخَيْرَ لِقَتَلَتِهِ، وَالْبَاغِينَ لَهُ الْغَوَائِلَ وَهُمْ كَفَرَةٌ عَبَدَةُ أَصْنَامٍ، فَلَمَّا قُتِلَ حَبِيبٌ غَضِبَ اللَّهُ لَهُ وَعَجَّلَ النِّقْمَةَ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَمَرَ جِبْرِيلَ فَصَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَمَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ) أَيْ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ من رسالة ولا نبي بعد قتله، قال قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ.
قَالَ الْحَسَنُ: الْجُنْدُ الْمَلَائِكَةُ النَّازِلُونَ بِالْوَحْيِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ.
وَقِيلَ: الْجُنْدُ الْعَسَاكِرُ، أَيْ لَمْ أَحْتَجْ فِي هَلَاكِهِمْ إِلَى إِرْسَالِ جُنُودٍ وَلَا جُيُوشٍ وَلَا عَسَاكِرَ بَلْ أُهْلِكُهُمْ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ.
فَقَوْلُهُ: (وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ) تَصْغِيرٌ لِأَمْرِهِمْ، أَيْ أَهْلَكْنَاهُمْ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، أَوْ مِنْ بَعْدِ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ.
وَقِيلَ: (وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ) عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ.
الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ فَلِمَ أَنْزَلَ الْجُنُودَ مِنَ السَّمَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ وَالْخَنْدَقِ؟ فَقَالَ: (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها) [الأحزاب 9] ، وقال: (بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ) [آل عمران: 24 1] . (بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) [آل عمران: 125] .