نَقُولُ حَيْثُ كَانَ الْقَائِلُ هُوَ الْمُكَلَّفَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عِلْمٌ إِلَّا بِحَالَةٍ أَوْ بِحَالٍ مِنْ قُرْبٍ مِنْهُ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مَشْغُولًا بِنَفْسِهِ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: يَا حَسْرَتَنَا وَيَا ويلنا، فقوله: (قالُوا يا وَيْلَنا) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ قَالَ يَا وَيْلِي، وَأَمَّا حَيْثُ قَالَ اللَّهُ قَالَ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ لِشُمُولِ عِلْمِهِ بِحَالِهِمْ.
* مَا وَجْهُ تعلق: (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا) بقولهم: (يا وَيْلَنا) ؟
نَقُولُ لَمَّا بُعِثُوا تَذَكَّرُوا مَا كَانُوا يَسْمَعُونَ من الرسل، فقالوا: (يا ويلنا مَنْ بَعَثَنَا) أَبَعَثَنَا اللَّهُ الْبَعْثَ الْمَوْعُودَ بِهِ أَمْ كُنَّا نِيَامًا فَنَبَّهَنَا؟
وَهَذَا كَمَا إِذَا كَانَ إِنْسَانٌ مَوْعُودًا بِأَنْ يَأْتِيَهُ عَدُوٌّ لَا يُطِيقُهُ، ثُمَّ يَرَى رَجُلًا هَائِلًا يُقْبِلُ عَلَيْهِ فَيَرْتَجِفُ فِي نَفْسِهِ وَيَقُولُ: هَذَا ذَلِكَ أَمْ لَا؟
وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُمْ: (مِنْ مَرْقَدِنا) حَيْثُ جَعَلُوا الْقُبُورَ مَوْضِعَ الرُّقَادِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَنَّهُمْ كَانُوا نِيَامًا فَنُبِّهُوا أَوْ كَانُوا مَوْتَى وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى ظَنِّهِمْ هُوَ الْبَعْثَ فَجَمَعُوا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَقَالُوا: (مَنْ بَعَثَنا) إِشَارَةً إِلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُ بَعْثُهُمُ الْمَوْعُودُ بِهِ، وَقَالُوا: (مِنْ مَرْقَدِنا) إِشَارَةً إِلَى تَوَهُّمِهِمُ احْتِمَالَ الِانْتِبَاهِ.
(فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(54)
قَوْلُهُ: (لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ) لِيَأْمَنَ الْمُؤْمِنُ (وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لِيَيْأَسَ الْمُجْرِمُ الْكَافِرُ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مَا الْفَائِدَةُ فِي الْخِطَابِ عِنْدَ الْإِشَارَةِ إِلَى يَأْسِ الْمُجْرِمِ بِقَوْلِهِ: (وَلا تُجْزَوْنَ وَتَرْكِ الْخِطَابِ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى أَمَانِ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْعَذَابِ بِقَوْلِهِ: (لَا تُظْلَمُ وَلَمْ يَقُلْ وَلَا تُظْلَمُونَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ؟