وَوَجْهٌ آخَرُ: أَحْسَنُ مِمَّا ذَكَرْنَا وَهُوَ أَنَّا لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ جَعْلَ السَّدِّ صَارَ سَبَبًا لِلْإِغْشَاءِ كَانَ السَّدُّ مُلْتَزِقًا بِهِ وَهُوَ مُلْتَزِقٌ بِالسَّدَّيْنِ فَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْحَرَكَةِ يُمْنَةً وَلَا يُسْرَةً فَلَا حَاجَةَ إِلَى السَّدِّ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ
(إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ(11)
قَالَ مِنْ قبل (لِتُنْذِرَ) [يس: 6] وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْإِنْذَارَ الْعَامَّ عَلَى مَا بَيَّنَا وقال: (إِنَّما تُنْذِرُ) وَهُوَ يَقْضِي التَّخْصِيصَ فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؟
نَقُولُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: هُوَ أَنَّ قوله: (لِتُنْذِرَ) أَيْ كَيْفَمَا كَانَ سَوَاءٌ كَانَ مُفِيدًا أَوْ لَمْ يَكُنْ وَقَوْلُهُ: (إِنَّما تُنْذِرُ) أَيِ الْإِنْذَارُ الْمُفِيدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَتَّبِعُ الذِّكْرَ وَيَخْشَى
الثَّانِي: هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ إِنَّ الْإِرْسَالَ وَالْإِنْزَالَ، وَذَكَرَ أَنَّ الْإِنْذَارَ وَعَدَمَهُ سِيَّانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الْعِنَادِ قَالَ لِنَبِيِّهِ: لَيْسَ إِنْذَارُكَ غَيْرَ مُفِيدٍ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَأَنْذِرْ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ وَإِنَّمَا تُنْذِرُ بِذَلِكَ الْإِنْذَارِ الْعَامِّ مَنْ يَتَّبِعُ الذِّكْرَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ بِإِنْذَارِكَ تَهْدِي وَلَا تَدْرِي مَنْ تَهْدِي فَأَنْذِرِ الْأَسْوَدَ وَالْأَحْمَرَ وَمَقْصُودُكَ مَنْ يَتَّبِعُ إِنْذَارَكَ وَيَنْتَفِعُ بِذِكْرَاكَ.
الثَّالِثُ: هُوَ أَنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: (لِتُنْذِرَ) أَيْ أَوَّلًا فَإِذَا أَنْذَرْتَ وَبَالَغْتَ وَبَلَّغْتَ وَاسْتَهْزَأَ الْبَعْضُ وَتَوَلَّى وَاسْتَكْبَرَ وَوَلَّى، فَأَعْرِضْ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ.
الرَّابِعُ: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الثَّالِثِ إِنَّكَ تُنْذِرُ الْكُلَّ بِالْأُصُولِ، وَإِنَّمَا تُنْذِرُ بِالْفُرُوعِ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَآمَنَ.
وَقَوْلُهُ: (وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ)