هذا ، وقد سبق أن ذكرنا في تفسير الآية 54 من الأعراف والآية 30 من سورة ق المارتين بان آيات الصفات كهذه الآية مما لم يقطع بتفسيرها ، إذ أن السلف أبقوها على ظاهرها وأطلقوا معناها عليه ، وتأولها بعض الخلف وقال المتكلمون وبعض أهل الرأي أنه جل شأنه له يد لا كالأيدي ورجل لا كالأرجل وهكذا وهو مما طعن فيه أكثر الخلف لشدة تنزيههم الحضرة الإلهية عن مثله ، وكل ما هو من شأن البشر ، ولهذا فإنهم أولوا اليد بالقوة والنعمة والقدرة تحاشيا عن ذلك ، قال تعالى"وَذَلَّلْناها لَهُمْ"جعلنا هذه الأنعام مسخرة منقادة لخلقنا لتمام الانتفاع بها إذ لو جعلت متوحشة كغيرها من الحيوانات لم يقدروا على ضبطها ولحرموا منافعها وهذا من أكبر نعم اللّه على خلقه ، فإنك تجد الطفل المميز
يقود البعير بخطامه ويتابعه حيث أراد ، ولو لا تذليله لعجز عنه الجماعة ولأتلف بضربة من رأسه الطائفة من الناس فله الحمد والشكر على هذا التسخير"فَمِنْها رَكُوبُهُمْ"عليها بسبب تذليلها وحملها الأثقال"وَمِنْها يَأْكُلُونَ"72 الرجل يذبح الثور والجمل فيأكل ويبيع ويهدي من لحمه وشحمه ، ولو لا تسخير اللّه لما تمكن من ذلك"وَلَهُمْ فِيها"غير الركوب والحمل"مَنافِعُ"كثيرة من أوبارها وأشعارها وصوفها وجلدها لباسا ومن نسلها قنية وتجارة إذ يبيعونها ويشترون بثمنها لوازمهم ويستكثرون بها مما يجب الشكر والحمد لمذللها"وَمَشارِبُ"من حليبها ولبنها وزبدها وسمنها وجبنها ولباها واقطها ومخيضها أكلا وشربا وبيعا وادخارا"أَ فَلا يَشْكُرُونَ"73 هذا الرب الكريم على إنعامه هذا عليهم ، فضلا عن باقي نعمه التي لا تعد ولا تحصى ، قال صلى اللّه عليه وسلم اتقوا اللّه لما يغذوكم به.