و من هذه النعمة العظيمة رؤية الحق جل جلاله لأنهم يتكرونها في الدنيا والآخرة فعوقبوا بحرمانهم منها راجع بحث الرؤية في تفسير الآية 143 من الأعراف المارة ، ثم شرع ينعت أهل النار أجارنا اللّه منها بقوله"وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ"59 اعتزلوا عن المؤمنين لأنهم صاروا إلى ما وعدوا به في الدنيا على لسان الرسل ، وبمجرد صدور هذه الكلمة بل قبل تمامها اعتزل جميع أهل النار من كل الملل عن أهل الجنة ، لأن أمره بين الكاف والنون وصار يوبخهم ويقرعهم بما هو أشد من عذابهم وأمر فقال لهم"أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ"وأنتم في عالم الذر راجع تفسير الآية 172 من الأعراف المارة وأقول لكم"أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ"وافردوني وحدي بالعبادة وألم أقل لكم"إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ"60 العداوة ، إذ بدأها بأبيكم آدم فاحذروه
ولا تشركوا بي أحدا ولا شيئا ، كيف وقد أعطيتموني هذا الميثاق وشهدتم به على أنفسكم وأشهدت عليكم ملائكتي وقد نقضتموه وعبدتم غيري
"وَأَنِ اعْبُدُونِي"وحدي لا تشركوا بي شيئا"هذا"الذي عهدت به إليكم من وجوب طاعتي وعبادتي ومعصية الشيطان وترك الشرك هو"صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ"61 لو اتبعتموه لنجوتم الآن لأنه سوي بليغ بالاعتدال لا اعوجاج فيه فلو تمسكتم به لكفى في إلزام أنفسكم طاعتي قال الآلوسي رحمه اللّه:
تفسر بعض الناس عنك كناية خوف الوشاة وأنت كل الناس
لأن الأصل الاستقامة ، ولا يكون إلا باتباع الطريق المستقيم فمن اتبعه نجا ومن حاد عنه هلك ، قال تعالى مخاطبا الخلق كلهم"وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ"أيها الناس"جِبِلًّا كَثِيراً"أي خلقا ، لأن الجبل الجماعة العظيمة والأمة التي لا تقل عن عشرة آلاف تشبيها لها بالجبل العظيم.