ومثال ذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - مَنْ يمدح الأمير ويُثني عليه في حضرته ، ومَنْ يمدحه في غيبته ، فأيُّهما أحلى ، وأيُّهما أبلغ وأصدق في الذكْر؟
واقرأ في ذلك قوله تعالى عن صلاة الجمعة: {يا أَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ...} [الجمعة: 9] .
يعني: ذِكْر الله في الصلاة ، ولا تظنوا أن الذكْر قاصر على الصلاة فقد إنما: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] فيجب ألاَّ يغيب ذِكْر الله عن بالك أبداً ؛ لأن ذِكْرك لربك خارج الصلاة أكبر من ذِكْرك له سبحانه في الصلاة .
ورُوِي عن عطاء بن السائب أن ابن عباس سأل عبد الله بن ربيعة: ما تقول في قوله تعالى: {وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ...} [العنكبوت: 45] ؟ فقال: قراءة القرآن حَسَن ، والصلاة حسن ، وتسبيح الله حسن ، وتحميده حسن ، وتكبيره حسن التهليل له حسن . لكن أحسن من ذلك أن يكون ذِكْر الله عند طروق المعصية على الإنسان ، فيذكر ربه ، فيمتنع عن معصيته .
فماذا قال ابن عباس - مع أن هذا القول مخالف لقوله في الآية - ؟ قال: عجيب والله ، فأعجب بقول ابن ربيعة ، وبارك فهمه للآية ، ولم ينكر عليه اجتهاده ؛ لأن الإنسانَ طبيعي أن يذكر الله في حال الطاعة ، فهو متهيئ للذكْر ، أما أنْ يذكره حال المعصية فيرتدع عنها ، فهذا أقْوى وأبلغ ، وهذا أكبر كما قال سبحانه {وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ...} [العنكبوت: 45] .
لذلك جاء في الحديث الشريف:"سبعة يظلهم الله في ظِلِّه ، يوم لا ظِلَّ إلا ظله - ومنهم: ورجل دَعَتْه امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله"
هذا هو ذِكْر الله الأكبر ؛ لأن الدواعي دواعي معصية ، فيحتاج الأمر إلى مجاهدة تُحوِّل المعصية إلى طاعة .