ففي هذا المخلوق الضئيل كل مُقوِّمات الحياة والإدراك ، فهل تعرف فيها موضع العقل وموضع جهازها الدموي . . إلخ وفضلاً عن الذباب والناموس وصغار المخلوقات ألا ترى الميكروبات التي لا تراها بعينك المجردة ومع ذلك يصيبك وأنت القوى بما يؤرقك وينغص عليك .
إذن: لا تقُلْ لماذا يضرب الله الأمثال بهذه الأشياء لأن الله {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ...} [البقرة: 26] ما فوقها أي: في الصِّغَر والاستدلال . أي: ما دونها صِغَراً ؛ لأن عظمة الخلق كما تكون بالشيء الأكثر ضخامة تكون كذلك بالشيء الأقلّ حجماً الأكثر دِقَّة .
لو نظرتَ مثلاً إلى ساعة (بج بن) وهي أضخم وأشهر ساعة في العالم ، وعليها يضبط العالم الوقت لوجدتَها شيئاً ضخماً من حيث الحجم ليراها القادم من بعيد ، ويستطيع قراءتها ، فدلَّتْ على عظمة الصِّنْعة ومهارة المهندسين الذين قاموا ببنائها ، فعظمتها في ضخامتها وفخامتها ، فإذا نظرتَ إلى نفس الساعة التي جعلوها في فصِّ الخاتم لوجدتَ فيها أيضاً عظمة ومهارة جاءت من دِقَّة الصنعة في صِغَر الحجم .
كذلك الراديو أول ما ظهر كان في حجم (النورج) ، والآن أصبح صغيراً في حجم الجيب .
ومن مخلوقات الله ما دق ؛ لدرجة أنك لا تستطيع إدراكه بحواسك ، والعجيب أن يطلب الإنسان أنْ يرى الله جهرة ، وهو لا يستطيع أنْ يرى آثار خَلْقه وصَنْعته . فأنت لا ترى الجن ، ولا ترى الميكروب والجراثيم ، ولا ترى حتى روحك التي بين جنبيك والتي بها حياتُك ، لا يرى هذه الأشياء ولا يدركها بوسائل الإدراك الأخرى ، فمن عظمته تعالى أنه يدرك الأبصار ، ولا تدركه الأبصار .