وقال أبو إسحاق: أعلم الله - عز وجل - أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المناكر، ولا يجتمعوا إلا فيما قرَّب إلى الله - عز وجل - ، وباعد من سخطه، وأن لا يجتمعوا على الهزء والتلهي. فلما أنكر لوط على قومه بما كانوا يأتونه من القبائح قالوا له استهزاء: {ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} أن العذاب نازل بنا، وذلك أنه توعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فعند ذلك:
30 - {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي} قال مقاتل: أي بتحقيق قولي في العذاب فعذبهم.
قوله تعالى: {عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ} يعني: العاصين بإتيان الرجال في أدبارهم. قاله الكلبي ومقاتل. قال الكلبي: فاستجاب الله دعاءه فبعث جبريل في اثني عشر ملَكًا فذلك قوله:
31 - {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} قال ابن عباس: بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب {قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} يعنون قرية لوط {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} يعني: مشركين. وما بعد هذه الآية مفسر في سورة: هود، إلى قوله: {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ}
33 - {إِنَّا مُنَجُّوكَ} يعني: بناتك. قال المبرد: الكاف في {مُنَجُّوكَ} مخفوضة، فلم يجز أن يعطف الظاهر على المضمر المخفوض لعلة ذكرناها في قوله: {تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1] فحمل الثاني على المعنى فصار في التقدير: وننجي أهلك ومنجون أهلك، وهذا جائز مستحسن مستعمل كثيرًا في كلامهم، وأنشد سيبويه أبياتًا كثيرة، منها قول لبيد:
فإن لم تجدْ مِنْ دونِ عدنان والدًا ... ودونَ مَعدٍ فَلْتَزَعكَ العواذلُ
وأنشد أيضًا لجرير:
جئني بمثلِ بَني بدرٍ لقومهمِ ... أوْ مِثلَ أُسرةِ منْظورِ بنِ سيَّارِ