يتشوف السامع إلى السؤال عن حال قوم إبراهيم - عليه السلام - بعد أن دعاهم إلى توحيد الله وعبادته وأمرهم بالسير في الأرض والتدبر في أحوالها وتقلباتها ليعلموا كيفية قدرة الله - تعالى - على بدءِ خلقه فيعلموا من هذه المشاهدات والأحوال كيفية قدرته على إعادة الخلق بالبعث بعد الفناء، فتكون هذه الآية هي الإجابة على هذا السؤال، ويتسق بذلك السياق في أحكم نظام وأدقه.
والمعنى: فما كان جواب قوم إبراهيم على دعوته إياهم إلاَّ أن قالوا: اقتلوه بأداة قتل أو حرقوه بنار لتستريحوا منه، وتستأصلوا شره، ثم انتهوا من هذا الترديد إلى إحراقه، فجمعوا أحطابا كثيرة، ثم أضرموا فيها النار حتى ارتفع لهيبها، وحميت جذوتها، ثم عمدوا إلى إبراهيم - عليه السلام - فأوثقوه وقذفوا به فيها، فأمرها الله أن تكون بردا وسلامًا على إبراهيم ففقدت خاصيتها، ثم خرج منها سالمًا مُعافًى بفضل الله بعد ما مكث فيها.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} : إن في ذلك الإنجاء من النار بعد أن بذلوا فيها جهودهم وما تبع ذلك من بردها على إبراهيم، وخيبة أملهم فيها - إن في ذلك - لمعجزات عجيبة، وآيات واضحة الدلالة لقوم مستعدين لتقبل الهداية، واستجابة الدعوة، فأما غيرهم فهم غافلون عن اجتلائها. محرومون من الفوز بمغانمها، وقد جاء في مواضع أخرى من القرآن أمر الإحراق فقط دون القتل كما في هذه الآية، ولعل الآيات الأخرى اكتفت بما انتهوا إليه، وقد جاءت قصته - عليه السلام - في أكثر من سورة من القرآن مع تفاصيل أخرى.
{وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}
المفردات:
{أَوْثَانًا} : أصنامًا تعبدونها من دون الله.
{مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} : سببًا في تواصلكم واجتماعكم على عبادتها.
{وَمَأْوَاكُمُ} : منزلكم الذي تأوون إليه خالدين فيه أبدا.
التفسير