4 -الغباء الذي يلازم الجبابرة العتاة إذ يقعون في التناقض من حيث لا يشعرون فقد صرح قبل هنيهة بقوله"ما علمت لكم من إله غيري"فعبر عن نفي المعلوم بنفي العلم وأعلن تصميمه على الجحود ثم ما عتم أن أعلن رجاءه الاطلاع فهل كان مصمما على الجحود أم لم يكن.
فصل في اختيار الألفاظ:
هذا وقد عني علماء البيان باللفظة وسر اختيارها وخلاصة ما يقال فيه: أن حسن الألفاظ وقبحها أمر يعود إلى الذوق وحده فما استحسنه كان حسنا وما استقبحه كان قبيحا ، فالاستعمال ليس بدليل الحسن ، وهذا طريق يضل فيه غير العارف بمسالكه ومن لم يعرف صناعة النظم والنثر وما يجده صاحبها من الكلفة في صوغ الألفاظ واختيارها فإنه معذور في أن يقول ما قال:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
والصاحب بن عباد الذي كان من المفتونين بأبي الطيب ، والذي كان يستعمل أشعاره في كتاباته ويقتبس منها ، عند ما حصلت بينه وبين أبي الطيب المتنبي الجفوة بسبب ترفع هذا عن مجاوبته فقد ذكروا أن الصاحب أبا القاسم طمع في زيارة المتنبي إياه بأصبهان وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان وهو إذ ذاك شاب ولم يكن قد استوزر بعد ، وقد كتب الصاحب إليه يلاطفه في استدعائه ويضمن له مشاطرته جميع ماله فلم يقم له المتنبي وزنا ولم يجبه إلى كتابه ولم يحقق مراده ، وقصد المتنبي بعد ذلك إلى حضرة عضد الدولة بشيراز فأسفرت سفرته - كما يقول أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر - عن بلوغ الأمنية ، وورود مشروع المنية ، وذلك أن المتنبي قتل عند مغادرته إياه محملا بالعطايا والهبات.
قال الثعالبي:"واتخذه الصاحب غرضا يرشقه بسهام الوقيعة ويتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته ، وينعى عليه سيئاته ، وهو أعرف الناس بحسناته ، وأحفظهم لها ، وأكثرهم استعمالا إياها وتمثلا بها في محاضراته ومكاتباته".