ووفد ابن أبي محجن على معاوية، فقام خطيبا فأحسن، فحسده معاوية وأراد أن يوقعه، فقال له: أنت الذي أوصاك أبوك بقوله:
إذا متّ فادفني إلى جنب كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
وقال: بل أنا الذي يقول أبي:
لا تسأل الناس ما مالي وكثرته ... وسائل الناس ما جودي وما خلقي
أعطي الحسام غداة الروع حصّته ... وعامل الرمح أرويه من العلق
وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق
ويعلم الناس أنّي من سراتهم ... إذا سما بصر الرعديد بالفرق
فقال له معاوية: أحسنت والله يا ابن أبي محجن، وأمر له بصلة وجائزة.
وقيل: أخذ عبد الملك بن مروان بعض أصحاب شبيب الخارجي، فقال له: ألست القائل:
ومنّا شريد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
فقال: يا أمير المؤمنين إنما قلت ومنا يا أمير المؤمنين شبيب، وأردت بذلك مناداة لك. فكان ذلك سببا لنجاته.
ودخل شريك بن الأعور على معاوية وكان دميما، فقال
له معاوية: إنك لدميم والجميل خير من الدميم وإنك لشريك وما لله من شريك، وإن أباك لأعور والصحيح خير من الأعور، فكيف سدت قومك؟ فقال له: إنك معاوية وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت لها الكلاب، وإنك لابن صخر، والسهل خير من الصخر، وإنك لابن حرب والسلم خير من الحرب، وإنك لابن أمية وما أمية إلا أمة صغّرت، فكيف صرت أمير المؤمنين؟ ثم خرج وهو يقول:
أيشتمني معاوية بن حرب ... وسيفي صارم ومعي لساني
وحولي من ذوي يزن ليوث ... ضراغمة تهشّ إلى الطّعان
يعير بالدمامة من سفاه ... وربات الحجال من الغواني
ودخل يزيد بن أبي مسلم صاحب شرطة الحجاج على سليمان بن عبد الملك بعد موت الحجاج، فقال له سليمان: قبّح الله رجلا أجرّك رسنه، وأولاك أمانته.
فقال: يا أمير المؤمنين رأيتني والأمر لك وهو عني مدبر، فلو رأيتني وهو علي مقبل لاستكبرت مني ما استصغرت، واستعظمت مني ما استعظمت.
فقال سليمان: أترى الحجاج استقرّ في جهنم! فقال:
يا أمير المؤمنين لا تقل ذلك، فإن الحجاج وطّأ لكم المنابر، وأذل لكم الجبابرة، وهو يجيء يوم القيامة عن يمين أبيك وشمال أخيك، فحيثما كانا كان.