وختمت سورة النمل بآيات بينات أجراها كتاب الله على لسان خاتم النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وهي عهد منه والتزام في ذمة كل مسلم ومسلمة، إذ قال: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} .
والإشارة"بهذه البلدة"إلى مكة المكرمة التي هي موطن نبيه، ومهبط وحيه، ومركز بيته الحرام، ومعنى"حرمها"جعلها حراما آمنا يحترم بحرمتها الإنسان والنبات والحيوان، فلا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يتعدى على من لجأ إليها، ومن انتهك حرمتها كان من الظالمين، ثم خاطب ربه قائلا: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} ، وكما لقنه كتاب الله أن يحمد الله ويسلم على أصفيائه بعدما فرغ من قصص الأنبياء السابقين في هذه السورة إذ قال وهو يخاطبه: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} هاهو يوجه إليه نفس الخطاب في ختام نفس السورة، مؤكدا نفس المعنى، فيقول له: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} ثم يتوجه إلى الناس جميعا، معلنا إليهم أنه سيأتي عليهم وقت تبهرهم فيه آيات الله، وتفرض نفسها عليهم، فلا يستطيعون لها ردا ولا إنكار {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} وقد عرف الناس في هذا العصر غير ما آية من آياته، وستعرف العصور القادمة بقية الآيات، تحقيقا لوعد الله الذي لا يتخلف {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .انتهى انتهى {التيسير في أحاديث التفسير، للشيخ/ محمد المكي الناصري. 4/} ...