وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ، إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ أي وما أنت أيها الرسول بمستطيع أن تهدي العمي عن ضلالتهم، أي تردهم عن الضلال بالهدى لأن على أبصارهم غشاوة تمنعهم عن النظر فيما أتيت به نظرا مؤديا إلى الحق، وما يجدي إسماعك إلا الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته، أي يصدقون بها، فهم مسلمون مخلصون التوحيد لله، خاضعون لله، ولا يستجيب لك إلا من هو مبصر القلب، يستخدم سمعه وبصره في إدراك الأمور على وجهها الصحيح، مستعد لقبول الحق، فهذا هو المسلم الذي أسلم وجهه لله، يعني جعله سالما لله تعالى خالصا له.
فقه الحياة أو الأحكام:
يثبت الله تعالى بهذه الآيات صدق النبوة وصحة رسالة الرسول صلّى الله عليه وسلم، وذلك بالقرآن الذي أنزله على قلب نبيه، مشتملا على وجوه عديدة من الإعجاز.
منها: أنه يبين لبني إسرائيل الموجودين حال نزوله ما اختلفوا فيه، لو أخذوا به، وذلك ما حرّفوه من التوراة والإنجيل، وما سقط من كتبهم من الأحكام.
ومنها: أن القرآن هاد من الضلالة إلى الحق والاستقامة والرشاد، ورحمة لمن صدّق به بما اشتمل عليه من الأدلة العقلية على التوحيد والبعث والنبوة وشرح صفات الله تعالى ونعوت جلاله، وبما انطوى عليه نظمه من سمو الفصاحة والبلاغة، حتى عجز البشر عن معارضته، مما يدل على أنه كلام الله المعجز الدال على صدق الرسالة النبوية.
ثم ذكر الله تعالى دليل عدله، فهو سبحانه يقضي بين بني إسرائيل وغيرهم فيما اختلفوا فيه في الآخرة، فيجازي المحق والمبطل، وهو العزيز أي المنيع الغالب الذي لا يردّ أمره، العليم الذي لا يخفى عليه شيء.
ثم أمر الله تعالى نبيه بالتوكل على الله، أي تفويض أمره إليه واعتماده عليه، فإنه ناصره، لأنه على الحق المبين، أي الظاهر، ولأن هؤلاء الكفار أشبه بالموتى لتركهم التدبر، فلا حسّ لهم ولا عقل، وبمنزلة الصم عن قبول المواعظ، فإذا دعوا إلى الخير أعرضوا وولّوا كأنهم لا يسمعون، وكالعميان الذين لا يميزون طريقهم، فهم تائهون حائرون، كما قال سبحانه: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [البقرة 2/ 171] .