أي: إن الله وحده هو الذي يرشدكم إلى الطريق في ظلمات البر والبحر إذا سافرتم ليلًا حيث جعل لكم النجوم وعلامات الأرض لتهتدوا بها ليلًا، وهداكم إلى علامات بالأَرض إذا اشتبه عليكم الطريق، كما قال تعالى: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) } .
ويجوز أن يراد من ظلمات البر والبحر ما يحدث فيها من التباس السبيل على المسافرين ليلًا أو نهارًا، بأَن تجعل مفاوز الأرض التي لا أعلام لها، ولجج البحار كأنها ظلمات الليل؛ لأنها تشبهها في إيجاد الحيرة والتردد لعدم وجود ما يهتدي به في أرجائها.
{وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} : أي: أنه - سبحانه - هو الذي يبعث لكم الرياح أمام السحب الممطرة مبشرات بنزول المطر رحمة منه بعباده ليغيثهم به من الجفاف والجدب، وذلك بإروائهم، وإحياءِ الأرض بعد موتها بمائها لتنبت من كل زوج بهيج، كما قال - سبحانه: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} .
وليس مع الله إله يصنع ذلك، فقد تنزه عن الشريك والنظير بذاته المتفردة بكل خواص الأُلوهية المستتبعة لجميع صفات الكمال والجلال، المقتضية لكون المخلوقات جميعها مقهورة تحت سلطانه، وفي ذلك ما فيه من التحقيق والتقرير وقوة الاستدلال على نفى أن يكون معه - سبحانه - الله آخر.
64 - {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ... } الآية.
كان هؤلاء للشركون يقرون أنه - سبحانه - يبدأُ الخلق ويتكفل بالرزق، وينكرون مع ذلك البعث بعد الموت، فألزمهم - تعالت أسماؤه - الإقرار بالبعث الذي ينكرونه؛ لأنه من قدر على الفعل بدءًا كانت الإعادة عليه أَهون، أي: لا أحد سواه يقدر على أن يبدأ الخلق من عدم ثم يعيده بالبعث، وخوطب به المشركون مع إنكارهم للبعث؛ لأنه لما وضحت براهينه وتمكنوا من إدراكها جُعِلوا كأنهم معترفون بوقوعه فم يبق لهم عذر في الإنكار.