إن استفسارات القوم لا تنتهي، وتساؤلاتهم ليس لها حدود، وكلها من قبيل التعجيز وإثارة الشبهات. وكل تساؤل يحتاج إلى جواب أو رد، فلو نزل القرآن الكريم جملة واحدة لم يتمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إجابتهم أو الرد عليهم في كل مرة، لذا جاء قوله تعالى:"وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا".
وهي كقوله تعالى:"بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ" [الأنبياء: 18] .
فمهما أتوا بسؤال عجيب كأنه مثل في البطلان والغرابة إلا أتاهم جلَّ جلاله بالجواب الحق الذي لا محيد عنه. وبما هو أحسن معنى ومؤدى من مثلهم، أي من سؤالهم.
فلا يأتونك بحجة وشبهة إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم. وهذه الآية كالفذلكة الجامعة تعم ما تقدم وما عسى أن يأتوا به. فقد تقدم من أمثالهم التي قالوها عن القرآن وعن الرسول.
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ" [الفرقان: 4] .
"وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا" [الفرقان: 5] .
"وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ" [الفرقان: 7] .
"وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا" [الفرقان: 8] .
"وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا" [الفرقان: 21] .
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً" [الفرقان: 32] .
هذه جملة من الأمثال التي أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بها بقصد إفحامه وتعجيزه. فإذن المعنى: ولا يأتونك بشبه يشبهون به حالاً من أحوالك يبتغون إظهار أن حالك لا يشبه حال رسول من الله، إلا أبطلنا تشبيههم وأريناهم أن حالة الرسالة عن الله لا تلازم ما زعموه [9] .