لقد كانت الآيات تنزل المرة تلو المرة تواسي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسليه عما يجد من القوم من مواقف وتصرفات في غاية السوء والقحة، فمن ذلك ما جاء في قوله تعالى:"فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا" [الكهف: 6] .
إنَّك قد بلَّغت رسالة ربك ولم تدخر وسعاً في إيصال الخير إلى القوم، فإعراضهم عن دعوة الحق وعدم إيمانهم بما جاءهم من القرآن المجيد، ليس أمارة على تقصيرك في تبليغ الدعوة إليهم، وإنما هو نتيجة ظلمة قلوبهم وقسوتها، فلا يستحقون التأسف عليهم.
إن القوم قد زينت لهم شياطين الإنس والجن أعمالهم فهم في غيهم سادرون، ولا يلتفتون إلى البراهين والدلائل مهما كانت من الوضوح على توحيد الله وصدق ما جئتهم به.
"أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ" [فاطر: 8] .
إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، فالإيمان والهداية والكفر و الطغيان كلها بمشيئة الله وإرادته، فمن أدرك ذلك هان عليه سلبيات القوم وتصرفاتهم.
"طسم * تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ" [الشعراء: 1 - 4] .
إن مهمة الرسل محصورة في التبليغ بشقيه: البشارة والإنذار، وليسوا مسؤولين عن تحقيق الهداية لهم:
"... فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ" [الشورى: 48] .
فشكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه أن القوم قد هجروا القرآن نابع من هذا الحرص على هدايتهم وهو ابن قريش البار بأهله، الواصل لرحمه.