أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ ينفق منه أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها أي تسير معه حيث سار وَقالَ الظَّالِمُونَ دل هذا على أن اقتراحاتهم كلها وأقوالهم كلها من باب الظلم إِنْ تَتَّبِعُونَ أي ما تتبعون إن اتبعتم إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً أي رجلا سحر فجن.
يقولون: إن صح أنه رسول الله فما باله يأكل الطعام كما نأكل، ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد؟؟ يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن ذلك الاقتراح إلى أن يكون مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء، يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا إلى أن يكون رجلا له بستان يأكل منه
كالمياسير، وإذا لم يكن هذا وهذا وهذا فما هو إلا رجل مجنون هكذا كان موقفهم من الرسول أنهم نفوا الرسالة عنه لأنه ليس ملكا وليس معه ملك، وليس معه كنز، وليس له بستان، وبعد أن عرض الله موقفهم تأتي الآيات لتعزي وتنذر وتقيم الحجة، وكل ذلك في سياق الرد على هذا الموقف الهازئ من الرسول والرد يأتي على ثلاثة مراحل:
المرحلة الأولى:
انْظُرْ يا محمد وأنت أعلم بنفسك كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي قالوا فيك تلك الأقوال، واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال، من المفترى والمملى عليه والمسحور فَضَلُّوا أي عن الحق فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا فلا يجدون طريقا إلى الحق، وذلك أن كل من خرج عن الحق وطريق الهدى فإنه ضال حيث توجه، لأن الحق واحد، ومنهجه متحد، يصدق بعضه بعضا،
ثم عزى الله رسوله صلى الله عليه وسلم وطيب قلبه فقال تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً أي تكاثر خير الذي
إن شاء وهب لك في الدنيا خيرا مما قالوا، وهو أن يجعل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور، فهذا كله سهل يسير على الله، ولكن له الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة.