والإضلال مستعار هنا للصرف عن الحق لمناسبة استعارة السبيل لهدى الرسول وليس مستعملاً هنا في المعنى الذي غلب على الباطل بقرينة تعديته بحرف {عن} في قوله: {عن الذكر} فإنه لو كان الإضلال هو تسويل الضلال لما احتاج إلى تعديته ولكن أريد هنا متابعة التمثيل السابق.
ففي قوله: {أضلني} مكنية تقتضي تشبيه الذكر بالسبيل الموصل إلى المنجَى ، وإثبات الإضلال عنه تخييل كإثبات الأظفار للمنية ، فهذه نكت من بلاغة نظْم الآية.
و {الذكر} : هو القرآن ، أي نهاني عن التدبر فيه والاستماع له بعد أن قاربت فهمه.
والمجيء في قوله: {إذ جاءني} مستعمل في إسماعه القرآن فكأنَّ القرآن جاءٍ حلَّ عنده.
ومنه قولهم: أتاني نبأ كذا ، قال النابغة:
أتاني أبيْتَ اللعن أنك لُمتَني...
فإذا حُمل الظالم في قوله: {ويوم يعضّ الظالم على يديه} على معيّن وهو عقبة بن أبي مُعيْط فمعنى مَجيء الذكر إياه أنه كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويأنس إليه حتى صرفه عن ذلك أُبيُّ بن خلف وحمله على عداوته وأذاته ، وإذا حُمِل الظالم على العموم فمجيء الذكر هو شيوع القرآن بينهم ، وإمكان استماعهم إياه.
وإضلال خِلاّنهم إياهم صرفُ كل واحد خليلَه عن ذلك ، وتعاوُن بعضهم على بعض في ذلك.
وقيل: {الذكر} : كلمة الشهادة ، بناء على تخصيص الظالم بعقبة بن أبي معيط كما تقدم ، وتأتي في ذلك الوجوه المتقدمة ، فإن كلمة الشهادة لما كانت سببَ النجاة مثلت بسبيل الرسول الهادي ، ومُثل الصرف عنها بالإضلال عن السبيل.
و {إذْ} ظرف للزمن الماضي ، أي بعد وقتٍ جاءني فيه الذكر ، والإتيان بالظرف هنا دون أن يقال: بعد ما جاءني ، أو بعد أن جاءني ، للإشارة إلى شدة التمكن من الذكر لأنه قد استقر في زمن وتحقق ، ومنه قوله تعالى: {وما كان الله لِيُضِلّ قوماً بعد إذْ هداهم} [التوبة: 115] أي تمكن هديه منهم.