2 -وبين القرآن أصول الأحكام، وأمهات مسائل الحلال والحرام، ووجوه النظر والاعتبار، مع بيان حكم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام، فهجرنا، واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجرّدة بلا نظر، جافة بلا حكمة، محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفنى الأعمار قبل الوصول إليها.
3 -وبين القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها ومساوئ الأخلاق ومضارها، وبين السبيل للتخلّي عن هذه والتحلّي بتلك، مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس والسلامة من الخيبة بتدسيتها.
فهجرنا ذلك كله، ووضعنا أوضاعا من عند أنفسنا، واصطلاحات من اختراعاتنا، خرجنا في أكثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطُّع (1) ، وعن السنة البيضاء إلى الأحداث والبدع، وأدخلنا فيها من النسك الأعجمي، والتخيل الفلسفي ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام، وألقى بين أهلها بذور الشقاق والخصام، وآل الحال بهم إلى الخروج من أثقال أغلالها، والاقتصار على بقية رسومها للانتفاع منها، ومعارضة هداية القرآن بها.
4 -وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه ونبهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة، لننظر ونستفيد ونعمل.
فهجرنا ذلك كله إلى خريدة (2) العجائب، وبدائع الزهور، والحوت والصخرة، وقرن الثور!
5 -ودعانا القرآن إلى تدبره وتفهمه والتفكر في آياته ولا يتم ذلك إلاّ بتفسيره وتبيينه، فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه.
فترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلاً، بل يصير مدرساً متصدراً ولم يفعل ذلك!