أَحَدًا [الكهف: 9 - 26] .
هذه قصة أهل الكهف والرقيم ، وهو الحجر الذي رقم عليه أنه رمز لمأواهم ليكونوا عبرة ، وليكونوا دليلًا ناطقًا على الإيمان بالبعث والنشور ، وإن الذين يجحدون بهما يرونهما عيانًا فيهم ؛ إذ بعثهم الله - سبحانه وتعالى ، وقد حسبوا أنهم مضى عليهم يوم أو بعض يوم.
والقصة الكريمة كما ذكرها القرآن الكريم فِي قصصه الحق لها مشاهد تذكر كأنها ترى ، وكأن الإنسان يعاين وقائعها ، وفي أسلوب قرآني قصصي يؤخذ منه مغزى القصة فِي غير التباس ، ولا ارتياب.
المشهد الأول: إبواء فتية آمنوا بربهم ، وزادهم الله تعالى هدًى ، وقد فرّوا من الوثنية إلى الوحدانية ، ومن الوثنيين إلى جوار ربهم ، وقد ربط الله على قلوبهم ، فاستمسكوا بإيمانهم ، واعتصموا بربهم ، وكان الإيمان قد سَكن وعاء القلب ، فربط الله تعالى بالصبر حتى لا يخرج من وعائه الذي استقرَّ فيه واطمأنَّ ، فلا يتشعع أمام أي حادث ، وإنَّ الإيمان إذ سكن واطمأنوا كانت رحمة الله تعالى أن ضرب على آذانهم ، بمعنى: إنَّه خيَّم عليها فأصبحت لا تسمع لغو الحديث ، وأنهم إذا آووا إلى الكهف قطعهم الله تعالى عن لغو الوثنية وظلم أهلها ، فاجتمع لهم الإنزواء عن الناس والبعد عنهم بالحس ، فلا يرون الناس ولا يسمعون عنهم ، وساروا فِي غيبوبة كأنهم الموتى ، وليسوا أمواتًا ، وتحسبهم أيقاظًا وهم رقود ، وكل ذلك فِي تصوير قصصي كأنَّ التالي للقرآن يراهم ، وهم يهرعون إلى الكهب يأوون راجين الرحمة والرشاد ، مبتعدين عن الآثام وما فِي الدنيا ، وقد زادهم الله تعالى فجعلهم رقودًا ، وهنا نجد الصورة واضحة أن ناسًا يظن أنهم أيقاظ وهم رقود ، وقد بقوا على ذلك سنين عددًا تجاوزت ثلاثمائة.