ثم نجد فِي ذلك القصص أمرًا معنويًّا مصورًا كأنه ملموس ، وهو حنان الأب ورفقه بولده ، فقد رأينا فِي النبي المجاهد عاطفة الأبوة تعلو ؛ فينادي ابنه ، وكأننا نسمع النداء فِي مشهد من مشاهد الأبوة ، ثم نجد الابن وقد غرَّه غرور الصبا ، والابتعاد عن التصديق ، حتى حسب أنه بمنجاة من الغرق ؛ إذ اعتصم بحبل آوى إليه ، وحال بينه وبين أبيه الموج ، فكان من المغرَقين ، والأب تنفطر نفسه ، فتغلبه شفقة الأبوة عن رؤية أمارات الموت ، ويتَّجِه إلى ربه باكيًا حزينًا إذ نجا أهله إلّا ابنه فيقول ، وكأنَّنا من فرط التصوير نسمع أنين الأب ، بعد أن نجا كل من فِي السفينة ، وقد استوت فِي طريقها وهلك ظالمون ، يضرع إلى ربه يقول: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} ، وكان قد وعده ربه بأن ينجي أهله ، فيقول: إن وعدك الحق ، وأنت أحكم الحاكمين ، وهنا نجد رب العالمين يبيِّن أنه داخل فِي عموم الكافرين ؛ لأنه كفر ، وأهلك هم الذين آمنوا ، ولم يعارضوك ، ويقول سبحانه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} .
تعارض العطف مع الو اجب ، فتحت قوة العاطفة الأبوية نطق بما نطق فنبهه الله تعالى إلى الواجب ، ولم ينبه غافلًا ، ولكنه نبَّه يقظًا مؤمنًا ضارعًا وإن كان قد ناجى ربه بصوت البشرية ، فتاب و {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .