الْحَاكِمِينَ ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ، قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [هود: 36 - 48] .
ذلك هو بعض قصص نوح - عليه السلام - من وقت أن يئس من إيمانهم وأخبره ربه العليم الحكيم أنَّه بلغ الحجة وحقق الرسالة ، وأنَّه لن يؤمن أحد من قومه لم يكن قد آمن ، وأن العقاب نازل لا محالة ، وترى كل نص من نصوص هذا الجزء من القصة مصورًا بيانيًّا لما أنزله تعالى ، فترى جزءًا يصور كيف أخذ نوح يبني سفينته ، والقوم ينظرون إليه ساخرين غير عالمين بالعاقبة التي تنتظرهم ، والغاية التي قدرها الله تعالى
من هذا البناء والخيال يرى الصورة من وراء العبارات كأنَّها بين يديه حقيقة بالعيان وليس خبرًا من الأخبار ، وإن كان يذكر من أعلى صور القصص المصور. ثم ترى الإيذان بالابتعاد عن موطن الغرق ، وقد فار التنور ، وإنِّي قد أدرك من هذا أنها كانت تسير بالبخار إذا فار التنور فتحرَّكت بعد أن فار ، والله تعالى أعلم بمراده ، وإن كان اللفظ دالًّا ، بل هو مصور لتنور فار فحرَّك ببخاره ما حرك من آلات تسير السفينة ، وتجري بهم فِي موج كالجبال ، والقارئ يرى فِي هذا صورًا تثير الخيال ، وتجعل الخبر مرئيًا أو كالمرئي ، وإن ذكر الموج فِي هذا المقام يصور كيف كان السيل عارمًا ، وأنه لم يكن غيثًا ، حتى لم يبق إلّا من خرج بالسفينة نجيا.