أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ، فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص: 30 - 40] .
إلى هنا بَيِّنَ القرآن حياة الكليم - عليه السلام ، من وقت أن نشأ رضيعًا ، وكيف كلأته عناية الله تعالى وهو يتدرَّج حتى صار شابًّا سويًّا قادرًا ، ورأى الظلم عيانًا ، وصقلته الحاجة الشديدة حتى صاح ضارعًا إلى ربه {إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ، فصار من تربَّى فِي تَرَف فرعون فِي حاجة إلى عيش الكفاف ، ووجده فِي أن يكون أجيرًا لشعيب بمهر إحدى ابنتيه ، فالتقى فيه ترف النعمة ابتداء حتى زهد فيه ، لما تأشب حياته فيه من إحساس مرير بالظلم ، فأقبل على الشعب يعيش فِي وسطه عيشًا مريرًا ، ولكنه هنئ ، وحياة لأغبة ، ولكنها فِي راحة الضمير والوجدان.
عندئذ بدت أرهاص النبوة ، ثم كانت الرسالة ، وشعر بشدة التكليف ؛ لأنَّه سيكون فِي مواجهة فرعون الذي قتل من قومه نفسًا ، والتقى فرعون بطغوائه وجهله ، فحسب أنَّ الله فِي السماء الدنيا ، وأراد ان يتخذ الأسباب للارتفاع إليه ، ومع جهله بالحقائق الإلهية استكبر هو وجنده ، فكأنَّ الجند فِي جانبه ، والشعب ليس فِي جانبه ، أو هو مغلوب على أمره لا يحرك ساكنًا حيث يجب أن يتحرك ، ولا يدفع ظلمًا يجب أن يدفع ، ثم نزل العقاب بفرعون وجنده ، فألقوا فِي البحر. هذه قصة موسى رضيعًا فشابًّا قويًّا ، فأجيرًا فتيًّا ، فمبعوثًا نبيًّا ، فمجاهدًا مجالدًا ، حتى أدال الله تعالى من الطاغي المتغطرس.