الثانية: إنَّ فِي هذا الكلام السامي حجة على أنَّ القرآن من عند الله تعالى ، وأن محمدًا لم يأت به من عنده ؛ لأنه ما كان يقرأ ولا يكتب ، وهذا كما قال الله تعالى في
سورة أخرى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] .
الثالثة: إنَّ قوله: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} الدراية داخلة على الاستفهام ، ففي الدراية متجه إلى الحقيقة ، أي: إنَّه ما كان يدري حقيقة الكتاب ولا تفصيل الإيمان ، وهذه تأكيد لنفي العلم بالكتاب علم دراية ، ونفي العلم بتفاصيل الإيمان علم دراية.
ولا شك أن كل كلمة من هذا النص وما سبقه تتآخى مع ما بعدها وما قبلها فِي تقرير حقيقة ثابتة ، وهي أنَّ القرآن روح من عند الله ، وكل روح فيها حياة ، وحياته فِي الشريعة التي أنزلها ، والتوحيد الذي دعا إليه ، والحق الذي أثبته ، والصلاح الذي بثه ، ودفع الفساد فِي الأرض ، ولكن القرآن نور هذا الوجود {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} .
59 -وننظر فِي النص وانسجام ألفاظه ، وتلاقي معانيه ، وإنك تجد للاستدراك هنا موضعًا طيبًا ؛ إذ إن النص الكريم السابق كان فيه نفي الدراية عن حقيقة الكتاب وعن حقيقة الإيمان ، والاستدراك هنا لا يفيد أنَّ نفي الدراية دائم ، بل إنه ينتهي بعلم الكتاب الذي هو النور الذي يهدي به الله تعالى.
ولنترك الكلمة للباقلاني فِي الإعجاز فهو يقول: