وقوله تعالى: {رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} ، والروح هنا قال أكثر المفسرين للقرآن إنه جبريل ، ونرى أنها تشمل جبريل - عليه السلام ، فقد سمَّاه الله تعالى روح القدس ، ويكون معنى الإيحاء الإرسال ، ويشمل القرآن ، ويشمل الشريعة نفسها ، وتسميتها بالروح لما فيها من معنى البقاء والحياة إلى يوم القيامة ، وإضافتها إلى من أمر الله تعالى لتشريفها وتشريف من جاءت إليه وبعث باسمها ، وهكذا نجد مع ائتلاف الألفاظ فِي النسق والنغم وجرس الكلام تآخيًا فِي المعاني ، فإنها كلها تدل على شرفها بعظم مصدرها وهو الله تعالى ، وكبر المعاني فِي ذاتها ، فكان لها شرف المعاني ، وكان لها شرف أنها من الله تعالى ، فأيّ كلام بليغ يصل إلى كل هذا فِي التآلف بين المعاني والألفاظ.
58 -والآية السامية تحوي فِي سياقها دليل الرسالة ، فيقول تعالى: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} ، وإن هذا النص الكريم مع إيجازه يرمي إلى ثلاث حقائق:
الأولى: إنَّه ما كان يعلم علم الكتابة ، فلم يكن قارئًا ولا كاتبًا ، وعبَّر هنا عن العلم بالدراية ؛ لأن الدراية علم يأتي بالتعلُّم والممارسة ؛ فهو علم كسبي ، وأنه ما كان يعلم بالدراية ، ونفي الدراية فِي الإيمان ؛ لأنه لم يكن هناك من يلقنه علم الإيمان إلَّا أن يكون إلهامًا من الله تعاونه الفطرة المستقيمة ، وقد يقال: إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مؤمنًا منذ بلغ التمييز وقبل ذلك ، فكيف كان لا يدري الإيمان ، والجواب عن ذلك: إنه كان موحدًا ، ولكن بقية ما يقتضيه الإيمان من صلوات وزكوات وتنظيم للمجتمع وطرق التعامل السليم ، ما كان يدريه ، وبهذا يفسر قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 6 ، 7] .