الكلمة الثالثة: {أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْض} ومعنى أخلد إلى الأرض ركن إليها ، يحسب أنَّ الركون إليها يجعله خالدًا ، ويجعله باقيًا مستمرًّا ، وهو يريد البقاء على أي صورة ، وإنَّ مقابلة هذه الكلمة بقوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أي: بالبينات ، يفيد أنه اختار الاستفال بدل الارتفاع ، والضعة بدل الرفعة ، ويكون فِي هذا إثبات أن الرفعة تكون بطلب الحق والإيمان والاستجابة لبيناته ، وعدم الانخلاع من موجبها.
وكل هذه المعاني تشرق من مقابلة الارتفاع بالإخلاد إلى الأرض.
وهنا نجد صورة رائعة تلتقي فيها أطياف مميزة بألفاظ مصوّرة ، فهي تصور شخصًا أفاض الله تعالى عليه بأسباب الإيمان بالحق ، والتصقت به حتى صارت كأنها جزء من كيانه ، وقد اتصلت ببنائه ، ولكنه بسبب أنه أخلد إلى الأرض وكان نزوعه متصلًا بأعلاقه قد سلخ البينات الملتصقة بها بانغماس فِي الضلال متكرر مستمر ، حتى انسلخ من الهداية ، وفي ذلك إشارة بيانية إلى أنَّه ترك الهداية بعد عمل مستمر قام به ، فهو قد ابتدأ فِي الشر متبعًا هواه ، ثم كرره حتى كون له خطوطًا فِي نفسه ، وتكرَّر حتى صارت الخطوط مجاري ، فكان الإنسلاخ ، وبعد الإنسلاخ وجد الشيطان طريقه فأتبعه بغية الضلال ، وقد مثله تعالى بمثال آخر ، وذكر له صورة أخرى.