الكلمة الأولى: {انْسَلَخ} والسلخ نزع جلد الحيوان ، يقال: سلخته فانسلخ ، ووضع هذه الكلمة فِي ذلك النص الكريم له معنى لا يوجد فِي لفظ غيره ، وهو يشير إلى أن البينات والآية المعلمة للحق أحاطت به ، ولصقت بنفسه واتصلت بعقله اتصال إهاب الحيوان بلحمه ، ولكنَّه انسلخ من هذه البينات ، فكلمة انسلخ فيها استعارة ، فشبَّه الكفر والفساد بالإنسلاخ فِي الإهاب لكمال الملازمة ؛ ولأنَّ الإنسلاخ يكون بمعاناة وعنف ، إذ إنّ مادة المطاوعة لا تكون إلّا للأفعال التي تحتاج إلى معالجة ، فلا يقال كسرت القلم فانكسر ، ولا يقال كسرت الزجاج فانكسر ، ولكن يقال كسرت الباب فانكسر ، ويقال: طويت الحديد فانطوى ، فكان هذا تصويرًا لإثبات أنَّ الكفر ضد الفطرة ، وأنه يحتاج إلى معاناة للنفس ، ومقاومة لدواعي الهوى ، ولكنها لا تكون إلَّا اتباعًا لهوى الشيطان.
الكلمة الثانية: اتبعه الشيطان: أي لحقه الشيطان ، فإنَّه يقال: أتبعه إذا لحقه ، ومن ذلك قوله تعالى: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِين} [الشعراء: 60] ، وقوله تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 85] ، وقوله تعالى: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص: 42] ، وإن وضع هذه الكلمة فِي هذا الموضع لهو وضع بلاغي عميق ، ففيه إشارة إلى أنَّ الشيطان إنما يلاحق الذين يتركون الآيات ، ولا يعملون على الأخذ بموجب البينات ، فأول دركات الضلال هو ترك الدلالة المعلمة للحق مع قوة سلطانها ، وإن تركها فإنَّ الشيطان يلحقه ، ويأخذ به إلى آخر غايات الضلال ، وإذا وصل إلى هذه الدرجدة صار من الغاوين ، والغواية معناها الجهل المردي ، الذي يصحبه اعتقاد فاسد مردود ، وكأنَّه بهذا الإنسلاخ من موجبات المعرفة ، ودواعي الحقيقة ينقلب من عالم بالبينات مدرك لها إلى جاهل أراده جهله فِي الفساد.