وذكر فِي الكلمة الرابعة:"فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث"؛ واللهث كما يقول علماء اللغة: أن يخرج الحيوان لسانه مرطبًا بلعابه فِي حال عطشه أو جوعه أو إعيائه ، أو إهاجته وذعره ، ويقولون: إن أخسّ أحوال الكلب أن يكون منه اللهث فِي كل أحواله ، فإنه يكون مكروبًا دائمًا ، وقد ذكر القرآن الكريم حال من ينسلخ من الهداية إلى الغواية بأنَّه يكون فِي حال هياج نفسي مستمر لا يستقر على قرار ، ولا يسكن على حال ؛ إذ إن الهداية إيمان ، والإيمان اطمئنان وقرار ، ومن يكفر بالله وينسلخ على هدايته اتباعًا لهواه يكون فِي لهج مستمر ، فيكون كالكلب فِي أخسِّ أحواله وأذلها ، إن هيج لهث وبدت صورته شوهاء ، وإن سكت عنه بدا على هذه الصورة.
وإن هذا تصوير واضح لمن غلب عليه هواه ؛ إذ تغلب عليه شقوته ، ويكون فِي اضطراب وشعور بحرمان دائم يستقر فِي نفسه ؛ لأنَّ الهوى يجعل النفس طلعة تتطلع ولا تهدأ ولا تستقر ولا تطمئن.
ونرى من هذه الآية وما سبقتها كيف يكون كل لفظ مؤديًا معنى خاصًّا يقصد ، ويعطي صورة من البيان لها أطياف كأطياف صورة التصور الحسية التي تصورها يد صناع لمصور ماهر ، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى ، ومن مجموع هذه الصور المتكوّنة من الكلمات تكون صورة كلية يتمثَّل فيها أعلى صور البيان.
52 -ولننتقل من هذه الصورة الرائعة التي تتكوّن من مجموع صور بيانية للعبارات إلى صورة بيانية ؛ لبيان حال ما ينزل بالكفار يوم القيامة ، ولا يصحّ أن يجول بخاطر أحد أنَّنا نبحث فِي ألفاظ القرآن الكريم متخيّرين ، بل نفتح فنجد الأمثال الواضحة من غير تحرّ ولا تخير.
لقد قال تعالى فِي سورة الدخان فِي تصوير غذاء المشركين يوم القيامة ، وترى كل كلمة من النص تبيّن صورة مؤلمة مزعجة لما يتناولون ، ويشترك فِي الصورة نغمة الكلمات ونسقها وتآخيها.