والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال، والإصابة في التدابير، والدهاء والفطنة، بمنزل لا تدفعون عنه.
وهكذا كانت العرب، خصوصاً ساكن والحرم من قريش وكنانة، لا يصطلى بنارهم في استحكام المعرفة بالأمور وحسن الإحاطة بها. ومفعول (تعلمون) متروك كأنه قيل: وأنتم من أهل العلم والمعرفة. والتوبيخ فيه آكد، أي أنتم العرّافون المميزون.
ثم إنّ ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام للَّه أندادا، هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل.
ويجوز أن يقدر: وأنتم تعلمون أنه لا يماثل. أو: أنتم تعلمون
وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا) *] البقرة: 28[أي: لا تجعلوا لله أندادا والحال أنكم من صحة التمييز والمعرفة بمنزلة، يعني جعلكم لله أندادا مع هذا الصارف القوى مظنة تعجب وتعجيب.
فـ (( ثم ) )في قوله: (( ثم إن ما أنتم عليه ) )للاستبعاد كما في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا) *]السجدة: 22].
قوله: (لا يصطلى بنارهم) ، النهاية: وفي حديث السقيفة: (( أنا الذي لا يصطلى بناره ) )
الاصطلاح: افتعال من صلى النار إذا تسخن بها. أي: أنا الذي لا يتعرض لحربي يقال: فلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. ومعناه: لا تنال ناره لرفعة شانه حتى يصطلى بها، ونظيره: لا يشق غبارهم، فهما كنايتان عن علو المرتبة والسبق.
قوله: (وأنتم من أهل العلم والمعرفة) هذا على تنزيل المعتدى منزلة اللازم، أي: أنكم توجدون على هذه الحقيقة إيهاما للمبالغة، وإليه الإشارة بقوله (( أنتم العرافون المميزون ) ).
قوله: (وأنتم تعلمون أنه لا يماثل) إلى آخره، إشارة إلى قصد التعميم وعدم القصر على المذكور؛ إذا لو ذكر واحد مما ذكره المصنف لاقتصر عليه.