أو أن يكون عذاب القبر: على النفس الروحاني الدراك الذي يخرج في حال النوم ليس على روح الحياة، مثل النائم يرى نفسه في بلاء وعذاب في نومه، ويكون في أفزاع، وكانت نفسه ملقاة في مكان لا علم لها بذلك ولا خبر، وبها آثار الأحياء؛ فجائز أن يكون عذاب القبر على هذا السبيل على الروح التي بها يدرك الأشياء، لا على روح الحياة التي بها يحيا.
وقال قائلون: ذلك في الدنيا: استقلوا حياة الدنيا لحياة الآخرة، وهو كقوله: (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) ؛ ألا ترى أنه قال: (فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ) : هذا يدل على أن ذلك في الحياة الدنيا أشبه؛ حيث أمر أن يسأل الذين يعدون،
وذلك إنما يكون في الدنيا لا في الآخرة.
ثم اختلف في العادين: قَالَ بَعْضُهُمْ: هم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم في هذه الدنيا ويرقبونهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم ملك الموت وأعوانه.
وقوله: (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(114)
أي: ما لبثتم إلا قليلا لو كنتم تعلمون، ولكن لا تعلمون.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: (سِخْرِيًّا) بكسر السين، أي: يسخرون منهم، و (سُخْرِيًّا) : بضمها، أي: يتسخرونهم من السخرية عبثًا.
وقوله: (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي) ، أي: شغلكم أمرهم عن ذكري، والوجه فيه ما ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)
قوله: (أَفَحَسِبْتُمْ) : يحتمل وجهين:
أحدهما: (أَفَحَسِبْتُمْ) : قد حسبتم أنما خلقناكم عبثًا.
والثاني: (أَفَحَسِبْتُمْ) ، أي: لا تحسبوا أنا إنما خلقناكم عبثًا.
(وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) .
صير خلقه الخلق لا للرجوع والبعث عبثا؛ لوجهين: