وقد دل على هذا قوله في آخر الآية {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115] وقد ألجأهم الله إلى إظهار اعتقادهم قِصرَ المدة التي بقوها زيادة في تشويه خطإهم فإنهم لمّا أحسوا من أنفسهم أنهم صاروا أحياء كحياتهم الأولى وعاد لهم تفكيرهم القديم الذي ماتوا عليه ، وكانوا يتوهمون أنهم إذا فنيت أجسادهم لا تعود إليهم الحياة أوهمهم كمالُ أجسادهم أنهم ما مكثوا في الأرض إلا زمناً يسيراً لا يتغير في مثله الهيكل الجثماني فبنوا على أصل شبهتهم الخاطئة خطأ آخر.
وأما قولهم: {فسئل العادين} فهو اعتراف بأنهم لم يضبطوا مدة مكثهم فأحالوا السائل على من يضبط ذلك من الذين يظنونهم لم يزالوا أحياء لأنهم حسبوا أنهم بعثوا والدنيا باقية وحسبوا أن السؤال على ظاهره فتبرأوا من عهدة عدم ضبط الجواب.
وأما رد الله عليهم بقوله: {إن لبثتم إلا قليلاً} فهو يؤذن بكلام محذوف على طريقة دلالة الاقتضاء ، لأنهم قد لبثوا أكثر من يوم أو بعض يوم بكثير فكيف يجعل قليلاً ، فتعين أن قوله: {إن لبثتم إلا قليلاً} لا يستقيم أن يكون جواباً لكلامهم إلا بتقدير: قال بل لبثتم قروناً ، كما في قوله في الذي مر على قرية {فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثتَ قال لبثتُ يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام} [البقرة: 259] .
ولذلك تعين أن يكون التقدير: قال بل لبثتم قروناً ، وإن لبثتم إلا قليلاً فيما عند الله {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} [الحج: 47] .