وأصل (ذب ب) على هذا الترتيب موضوع في كلامهم لسرعته في الحركة والانتقال والاضطراب والمجيء والذهاب، ومنه قولهم: ذبب الرجل وذبذب، إذا أخذ في السير وأسرع. وذباذبُ الهودج: ما تعلق منه فيتردد في الهواء. والذَّبْذَبُ: ذكر الرجل، سُمّي بذلك لتردده. الذبّ: الرجل الخفيف الحركة.
قوله: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} أي: إن سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم لا يقدرون أن يستردوا وينزعوا ذلك من الذباب. ومعنى الاستنقاذ والإنقاذ: التخليص. وذكرنا ذلك عند قوله {فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103] .
قال ابن عباس: كانوا يطلون أصنامهم الزعفران فيجف، ويأتي الذباب فيختلسه، فقال الله تعالى: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا} يريد من العطر {لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} يريد الذباب.
وقال السدي عن أصحابه: كانوا يجعلون للأصنام طعامًا فيقع عليه الذباب فيأكل، فلا يستطيع أن يستنقذه منه.
وقال مقاتل: أي فكيف يعبدون من لا يخلق ذبابًا، ولا يمتنع من الذباب.
وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الذين عُبدوا من دونه لا يقدرون على خلق واحد قليل ضعيف من خلقه ولا على استنقاذ تافه حقير منه.
قوله: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} قال ابن عباس: {الطَّالِبُ} : الصنم، {وَالْمَطْلُوبُ} : الذباب. هذا قوله في رواية عطاء.
وهو قول الكلبي، وابن زيد، ومقاتل، قالوا: {الطَّالِبُ} هو الصنم الذي سلبه الذباب ولم يمتنع منه، {وَالْمَطْلُوبُ} هو الذباب.
وعلى هذا معنى الآية: ضعف {الطَّالِبُ} الذي هو الصنم فلم يطلب ما سلب منه، وضعف المطلوب منه وهو الذباب السالب.
وهذا القول اختيار الفراء، فقال: {الطَّالِبُ} : الآلهة، {وَالْمَطْلُوبُ} الذباب، وفيه معنى المثل.