أَي: ولكل أَهل دين من الأَديان السماوية السابقة، أَو ولكل جماعة مؤْمنة، جعلنا لهم مكانا للذبح وإِراقة الدماءِ، تيسيرًا لهم، وتمكينا لمن يريد التقرب إِليه تعالى بإِطعام عباده في مناسكهم، وفسر مجاهد المنسك: بالذبح على أَنه مصدر ميمى، يريد أَنه تعالى شرع لكل أَهل دين أَن يذبحوا تقربا إِلى الله تعالى، لا لبعضهم دون بعض، واختاره الزمخشرى.
وقال الفراءُ: المنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد في خَيْرٍ وَبِرٍّ، وفسره هنا: بالعيد، وقال ابن عرفة في قوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا} أَي: مذهبا من طاعة الله تعالى، يقال: نَسَك نُسْكَ قومه، إذا سلك مذهبهم.
{لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} : أَي ليذكروا اسم الله وحده دون غيره عند ذبحها تعظيمًا له وشكرًا على ما أَنعم عليهم من بهائم الأَنعام: الإِبل، والبقر, والغنم. وفي ذلك إِشارة إِلى أَن القرابين لا تكون إِلا منها {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} : أَي: فإِلهكم أَيها المخاطبون إِله واحد لأَن شريعتكم وشرائع الأَنبياءِ السابقين وإِن تنوعت ونسخ بعضها بعضًا، كلّها قائمة على التوحيد والدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له {فَلَهُ أَسْلِمُوا} : أَي فإِذا كان إِلهكم واحدًا منزها عن الشريك، فاستسلموا له وانقادوا لأَمره. وأَخلصوا له القول والعمل، واجعلوهما لوجهه ولا تشوبوهما بشرك {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} : أَي وبشر أَيها النبي أُولئك المخلصين المتواضعين - بشرهم - بالجنة والثواب العظيم، قال عمرو بن أَوس: (المخبتون الذين لا يظْلمون، وَإِذَا ظُلِمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا) أَي، لم ينتقموا: من الانتصار بمعنى الانتقام أَي: عفوا عن ظالميهم.
35 - {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ ... } الآية.
تُعَدِّد الآية أَوصاف المخبتين المبشرين بالجنة فتذكر أَن من أَجل صفاتهم أَنهم إِذا ذكر الله اضطربت قلوبهم خشية منه ورهبة، وذلك لقوة إِيمانهم وعمق يقينهم.