قوله تعالى {وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} كلام الله سبحانه في نفسه مبارك وان لم يسمعه الجاهل لكن مبارك على من يسمعه باسماع المحبة والشوق إلى لقاء التكلم القديم ويعمل بضمونه ويعرف إشارته ويجد حيرته في قلبه فإذا كان كذلك يبلغه بركته إلى مشاهدة معدنه وهو رؤية الذات القديم قال تعالى {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ} قال ابن عطا مبارك على من يسمعه مبارك على من يتعظ به مبارك على من ينزل بهمته وقلبه عليه مبارك على من آمن به وصدق بما فيه ومن لم ير على سره وقلبه ونفسه آثار بركات القرآن فليعلم ببعده عن مصدر الخواص ودخوله في ميادين العوام من الاشقياء.
قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ} هذا خبر اصطفائية الخليل في الأزل بخلته ورسالته قبل ايجاده وايجاد الكون وما فيه فإذا اوجد روحه من العدم وكاشف لها جمال العدم وعرفها نفسه بنعت اعلامه أسماءه ونعوته وأسرار صفاته فعرفت الله بالله وعرفت سبل شهود الصفات ومشاهدة الذات فلما التبست بصورته جاءت بعقل القدس من الملكوت والعلم الإشارتي من عالم الجبروت فتعرف القلب طرق المحبة والخلة وتعرف النفس طرق الطاعة والخدمة فلما اخرجه الحق من حجال انسه البسه أنوار قدسه فنظر بالعين المكحولة بنور المعرفة إلى عالم الكون وراى عجائب الملك وغرائب المملكة فأرادت نفسه أن يسكن إلى الدليل عن المدلول من حيث لها منه لذة مشاهدة باصطناع المالك القديم فغلبت عليها روحه الملكوتية واغارت ما دون الحق عن ساحة كبريائه بقوله {أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} سئل الجنيد متى اتاه مرشده فقال حين لامتنى وقال أيضا آثار سوابق الأزل وإظهاره كما أظهر على الخليل في السخا والبذل والاخلاق في بذل النفس والولد والمال في رضى الحق فلا يشتغل إلا به ولا ينفرح إلا عليه ولا يلتفت إلا إليه فقال الله {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ} ويقال ذلك ما اضاء عليه من أنوار التوحيد قبل ما حصل منه من النظر في المخلوق ويقال هو مكاشفة روحه قبل ابداعها قالبه من تجلى الحقيقة.