إن ما يتقرر من خلال واقع البيئة التي خرج منها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو أن يكون قاسيا ومعبرا عن الواقع الذي خرج منه، إلا أن رحمته (صلى الله عليه وسلم) التي لا تدانيها رحمة كانت معجزة من المعجزات التي ميّزه الله سبحانه وتعالى بها، بل وجعل مدحه بما حباه من أخلاق ترتكز انعكاسا عليها.
"...يقول عبد الله لويليام (كان محمد(صلى الله عليه وسلم) أعظم ما يكون من كريم الطباع وشريف الأخلاق ومنتهى الحياء وشدة الإحساس، وكان حائزاً لقوة إدراك عجيبة، وذكاء مفرط، وعواطف رقيقة شريفة، وكان على خلق عظيم وشيم مرضية مطبوعاً على الإحساس). (67) "
لقد امتاز رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما قرره عبد الله لويليام صاحب عواطف رقيقة شريفة، فقد كان شديد التأثر بما يراه من أحوال قد يتعرض لها بعض أصحابه، كما أن بكاؤه على ابنه إبراهيم يقرر مدى الرقة والعطف وفرط الحساسية مما امتاز به بشكل ملفت للنظر. وتبرز رقة العواطف الرقيقة والشريفة من خلال شخصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من خلال حرصه على هداية جميع الناس، ولولا أن الله عاتبه على ذلك وأبلغه بأن ما عليه إلا البلاغ لظل يعاتب نفسه على عدم اهتداء الناس بهديه، ولعل في ذلك مؤشر كبير على كمية العواطف الرقيقة التي كان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) يمتلكها بين جوانحه الشريفة....
"...يقول ولز (حج محمد(صلى الله عليه وسلم) حجة الوداع من المدين إلى مكة، قبل وفاته بعام، وعند ذاك ألقى على شعبه موعظة عظيمة. إن أول فقرة فيها تجرف أمامها كل ما بين المسلمين من نهب وسلب ومن ثارات ودماء، وتجعل الفقرة الأخيرة منها الزنجي المؤمن عدلاً للخليفة. إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم، وإنها لتنفخ في الناس روح الكرم والسماحة، كما أنها إنسانية السمة ممكنة التنفيذ، فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعي، عما في أي جماعة أخرى سبقتها). (68) "