"...وقال أيضاً (لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير(صلى الله عليه وسلم) ابن القفار والفلوات العظيم النفس، المملوء رحمة وخيراً وحناناً وبراً وحكمة وحجى ونهى. أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه. وكيف وتلك نفس صامتة كبيرة ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين؟ فبينما نرى آخرين يرضون بالاصطلاحات الكاذبة ويسيرون طبق اعتبارات باطلة، إذ ترى محمداً (صلى الله عليه وسلم) لم يرض ن يلتفع بالأكاذيب والأباطيل. لقد كان منفرداً بنفسه العظيمة وبحقائق الأمور والكائنات. لقد كان سرّ الوجود يسطع لعينيه بأهواله ومخاوفه ومباهره، ولم يك هنالك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه، فكأنه لسان حال ذلك السرّ يناجيه: هآنذا، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى الهي مقدس، وما كلمة مثل هذا الرجل إلا صوت خارج من صميم قلب الطبيعة، فإذا تكلم كل الآذان برغمها صاغية وكل القلوب واعية، وكل كلام ماعدا ذلك هباء، وكل قول جفاء). (66) "
كما يقرر كارلايل في مقولة أخرى ما يؤكد على جانب آخر لرحمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وكيف أن هذه الرحمة كانت معجزة من عند الله سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أنه (صلى الله عليه وسلم) ابن القفار والفلوات، فقد كان فؤاده فؤاد ذلك الرجل الكبير العظيم النفس، المملوء رحمة وخيراً وحناناً وبراً وحكمة وحجى ونهى.
إن ما تقتضيه فطره الله في أرضه أن تجد من يسكن القفار والفلوات في قلبه قسوة وشدة في المعاملة، إلا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وعلى الرغم من أنه ابن الفلوات والقفار، إلا أن قلبه كان مملوءا بالرحمة والحنان والبر، وقد انعكس ذلك على واقع معاملاته مع الناس. فقد امتاز برحمة لم ترتسم في أي قلب من القلوب البشرية حتى قلوب الأنبياء (عليهم السلام) ، فهم لم يؤتوا صفة إلا وأوتي الرسول (صلى الله عليه وسلم) خير منها.