إن ما قرر لويس سيديو في مقولته هذا ما سبق أن وضحناه في مقولة البروفيسور رما كريشنا راو في كتابه (محمد النبي) ، وهو ما كانت عليه تصرفاته النبي (صلى الله عليه وسلم) ومواقفه تجاه الفقراء والمساكين، والذين كان من رحمته بهم، وشفقته على حالهم أنه كان يقاسمهم الطعام وكأنه جزء منهم، بل قرر ما كان عليه من رحمة بما ورد عنه من استقباله لكل من يودّون سؤاله بلطف ورفق، ويقرر هذا اللطف هذا الرفق ما كان يعلو وجهه من بشاشة تعكس مدى تأصل الرحمة بالآخرين في قلبه.
"...يقول كارلايل (لوحظ على محمد(صلى الله عليه وسلم) منذ صباه أنه كان شاباً مفكراً وقد سمّاه رفقاؤه الأمين - رجل الصدق والوفاء - الصدق في أفعاله وأقواله وأفكاره. وقد لاحظوا أنه ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة. أني لاعرف عنه أنه كان كثير الصمت يسكت حيث لا موجب للكلام، فإذا نطق فما شئت من لبّ. وقد رأيناه طول حياته رجلاً راسخ المبدأ صارم العزم بعيد الهم كريماً براً رؤوفاً تقياً فاضلاً حراً، رجلاً شديد الجد مخلصاً، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة، جمّ البشر والطلاقة، حميد العشرة، حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب. وكان على العموم تضيء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق، وكان ذكي اللب، شهم الفؤاد، عظيماً بفطرته، لم تثقفه مدرسة ولا هذبه معلم وهو غني عن ذلك، فأدى عمله في الحياة وحده في أعماق الصحراء)."
إن ما قرره كارلايل في حق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما هو إلا واقعا لما عكسه من لين عريكة في التعامل مع الآخرين. فقد كان سهل الجانب، جمّ البشر والطلاقة، حميد العشرة، حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب.
ولعل هذه الصفات لا يمكن أن تتأتى فيمن كان يعاني من مرض القلب، والرسول (صلى الله عليه وسلم) منزه عن أمراض القلوب، فحسن عشرته مع أصحابه وأهله وحتى مع الكفار، ومداعبته و وممازحته للآخرين تقرر تأكد كونه شخصية رحيمة مشفقة لينة الجانب، وهو ما يتفق عليه جميع العقلاء، ولا ينكره إلا جاحد معاند.