يورد ويلز تحليلا عظيما لآخر الكلمات التي سجلها التاريخ لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وهو ما ذكره من وصايا في حجة الوداع، وكيف أن كلماته في هذه الوصايا كانت إنسانية السمة، ممكنة التنفيذ.
لقد خلق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بفضل هذه الوصية جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعي، عما في أي جماعة أخرى سبقتها. فكان أثر دعوته، وروح رحمته يسري إلى أتباعه من بعده الذين ساروا على نهجه، وهم يعلمون تمام العلم أن الرحمة التي أخذوها مما تأصلت عليه شخصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وما انعكس عليه واقع حياته وتصرفاته ومواقفه مع الفقراء والمساكين واليتامى والأرامل والعجائز والأصحاب والأهل والأطفال وسائر المستضعفين في الأرض وحتى الكفار، هي أساس المنهجية التي يقيمون عليها نشر دين الله في أرضه؛ وذلك حتى يكون تسلمهم وتأديتهم للوظيفة التي أوكلها إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مؤصلا على المنهجية التي رباهم عليها فأحسن تربيتهم وأتقنها على أكمل الوجه وأحسنها.
إن مظاهر الرحمة للبشر في شخصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثابتة بما عكسته كتب السيرة، وبما دوّنته كتب التحليل لشخصيته العظيمة. فما من موقف تستقرئه في حياته وتعاملاته مع البشر إلا وتجده إما عاكسا لجانب الرحمة بالإنسان، وإما أن تجده مقتضيا للعدالة. ولا شك أن اقتضاء هذا الموقف للعدالة يقرر رحمة من نوع آخر من مظاهر الرحمة المحمدية.
لقد تقرر من خلال هذه الدراسة أن الرحمة المحمدية هي معجزة ربانية، وهي سيد الأخلاق في حياته، كما أنها منبع الأخلاق المحمدية يتمثل في ما اتسع له صدره (صلى الله عليه وسلم) من رحمة، وهو أمر من دون شك يتفق عليه العقلاء جميعا.
إن أكبر دليل على تمثل الرحمة بالبشر في شخصية الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) هو واقع الانتشار لدينه اليوم في ربوع الأرض.