3 -وأكبر من هذا أنَّ الدلالة النفسية أخرجت غير واحدة من الظواهر الدلالية إخراجا جماليا ... فنيا، فبدا أنَّ القرآن الكريم يستعمل الأضداد على نحو من حركية دلالية إشارية فيعمد إلى تضييق الحدود بيت الدلالتين الضديتين لهذه اللفظة أو تلك، حتى كأنه يريد الدلالتين معا مبتدءا من واحدة منتهيا إلى الأخرى فيحدث هالة من الدلالة مضيئة بينهما تكون مثار لذة دلالية كبرى. أما المشترك اللفظي أو ما يسمى بالنظائر القرآنية فإنها كانت مما يبعث على النظر الدلالي الذي يقود إلى الإيحاء وتأمل ظلال المعنى في الاستعمال القرآني؛ ذلك أن السياق يمنح هذه الطائفة من الألفاظ إشعاعا دلاليا من خلال تعبئتها دلالات ذات طابع رمزي فيضي؛ فيكون التأثير والعنصر الجمالي رائدا في هذا لا يغيب عنه.
4 -على الرغم من أنَّ العقيدة محصلة عقلية إلا أننا نجد السياق القرآني يقدم ألفاظها على مظهر فني، فكانت مظنة للدلالة النفسية تنتقل بالمتلقي من المعرفة الذوقية إلى معرفة عقلية مشيدة على أساس قلبي، فجاءت غير واحدة من ألفاظ العقيدة مشدودة إلى اصل عرفي مادي منقولة إلى بعد عرفاني يتسامى فتحفظ - على نحو رمزي - ما تمثله العقيدة من علاقة بين الذات والآخر، وما المنطقة الواصلة بين البعدين (البعد العرفي والبعد العرفاني) إلا خط من التأمل الدلالي.
5 -أما الألفاظ الاجتماعية وألفاظ الإنسان وحياته فأتت دلالاتها النفسية متساوقة مع ما للفعاليات الحياتية من حضور، فما كان أمام هذه الألفاظ إلا أن تكون ناهضة الدلالة متحركة الإيحاء مشحونة بمشاعر الدلالة في محاولة لموازاة مشاعر الإنسان والحياة.
6 -واللافت في دلالة الألفاظ القرآنية أن ألفاظ الطبيعة استُعملت في أغلب السياقات استعمالا مجردا رمزيا، فصارت إلى دلالة مضافة غير ما تدل عليه في العرف؛ ما حقق حالة من الفيض الدلالي وفنية الأداء.