وإذا كان الأمر كذلك فأن الدلالة الإيحائية التي يتمتع بها الاستعمال القرآني تنهض بقسم كبير من الأثر التأثيري الذي يريده القرآن الكريم، فيكون طلب هذه الدلالة وملاحقتها في الاستعمال القرآني امرا واجبا، إذ أن الاكتفاء بالدلالة العرفية لا يخرج النص القرآني من كونه نصاً إبداعياً حسب، على حين تُظهره القراءة (الدلالة) الثانية نصا في المعرفة الإلهية ينبني على أسس من الابداع والفن القولي، فكثيرا ما يعمد النص القرآني إلغاء الدلالة الحسية للمفردة إلغاء (تاما) ، تلك الدلالة التي (عجزت) عن إلغائها النصوص الأخرى. أي أن الدلالة الإيحائية التي يحركها الخطاب القرآني حركة متوالية كثيرا ما تمثل الوظيفة التأثيرية فيه؛ فيكون هذا ملمحا بارزا من ملامح عبقرية الصياغة (العمارة) القرآنية المتفردة وقدرتها التأثيرية العليا، وقبل ذلك عبقرية اللغة التي صاغ القرآن الكريم تفرده بإمكاناتها التعبيرية وقيمها الجمالية على مستوى اللفظ والتركيب صوغا جماليا تأثيريا؛ فيظهر مظهر من مظاهر الإعجاز جديد.
وخلال إلتماس الدلالة النفسية للألفاظ داخل البناء القرآني المعجز يمكن الكلام على الآتي:
1 -تداخلت الدلالة النفسية مع الفروق الدلالية بين الألفاظ المستعملة على دلالة عامة، فكثر أن تكون الفروق الدلالية معينا للدلالة النفسية. وأعلى من هذا أن كانت الدلالة النفسية طريقا لتمثل الفروق الدلالية بين هذه الألفاظ؛ فانتهى البحث بسبب من هذا إلى القول أن لا (ترادف) هنا، إنما هنالك تقارب دلالي.
2 -وقريب من هذا إلتحام الكلام على الدلالية النفسية بالتطور الدلالي، لاسيما نقل الألفاظ من دلالتها المادية إلى دلالة معنوية جديدة؛ إذ يبدو أن كثيرا من الظلال المعنوية تتحول دلالة رئيسة للفظة في هذا السياق أو ذاك، فينشأ التطور الدلالي المار بالمظهر الإيحائي النفسي لألفاظ الاختيار القرآني.