والحضارة البشرية سارت في طريقها خطوة خطوة وراء الكشوف. ولم تجئ طفرة، لأن خلافة الأرض تركت لهذا الإنسان، ولمداركه التي زوده الله بها ليخطو في كل يوم خطوة؛ ويعيد تنسيق حياته وفق هذه الخطوة. وإعادة تنسيق الحياة وفق نظام جديد ليست سهلة على النفس البشرية؛ فهي تهز أعماقها؛ وتغير عاداتها ومألوفاً؛ وتقتضي فترة من الزمان لإعادة الاستقرار الذي تطمئن فيه إلى العمل والإنتاج. ومن ثم شاءت حكمة الله أن تكون هناك فترة استقرار تطول أو تقصر. بعد كل تنسيق جديد.
والقلق الذي يستولي على أعصاب العالم اليوم منشؤه الأول سرعة توالي الهزات العلمية والاجتماعية التي لا تدع للبشرية فترة استقرار، ولا تدع للنفس فرصة التكيف والتذوق للوضع الجديد.
ذلك شأن داود. فأما شأن سليمان فهو أعظم:
{ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها؛ وكنا بكل شيء عالمين. ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك. وكنا لهم حافظين} ..
وتدور حول سليمان روايات وتصورات وأقاويل، معظمها مستمد من الإسرائيليات والتخيلات والأوهام. ولكن لا نضل في هذا التيه. فإننا نقف عند حدود النصوص القرآنية وليس وراءها أثر مستيقن في قصة سليمان بالذات.
والنص القرآني هنا يقرر تسخير الريح وهي عاصفة لسليمان، تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها. وهي في الغالب الشام لسبق الإشارة إليها بهذه الصفة في قصة إبراهيم .. فكيف كان هذا التسخير؟
هنالك قصة بساط الريح الذي قيل: إن سليمان كان يجلس عليه وهو وحاشيته فيطير بهم إلى الشام في فترة وجيزة. وهي مسافة كانت تقطع في شهر على الجمال.
ثم يعود كذلك .. وتستند هذه الرواية إلى ما ورد في سورة"سبأ"من قوله: {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر} ولكن القرآن لم يذكر شيئاً عن بساط الريح ذاك؛ ولم يرد ذكره كذلك في أي أثر مستيقن. فليس لنا ما نستند عليه لنقرر مسألة البساط.