فهو رب واحد. رب الناس ورب السماوات والأرض. ربوبيته ناشئة عن كونه الخالق. فهما صفتان لا تنفكان: {بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن} .. فهذه هي العقيدة المستقيمة الناصعة، لا كما يعتقد المشركون أن الآلهة أرباب، في الوقت الذي يقرون أنها لا تخلق، وأن الخالق هو الله. ثم هم يعبدون تلك الآلهة التي لا تخلق شيئاً وهم يعلمون!
إنه واثق وثوق الذي يشهد على واقع لا شك فيه: {وأنا على ذلكم من الشاهدين} .. وإبراهيم عليه السلام لم يشهد خلق السماوات والأرض، ولم يشهد خلق نفسه ولا قومه .. ولكن الأمر من الوضوح والثبوت إلى حد أن يشهد المؤمنون عليه واثقين .. إن كل ما في الكون لينطق بوحدة الخالق المدبر. وإن كل ما في كيان الإنسان ليهتف به إلى الإقرار بوحدانية الخالق المدبر، وبوحدة الناموس الذي يدبر الكون ويصرفه.
ثم يعلن إبراهيم لمن كان يواجههم من قومه بهذا الحوار. أنه قد اعتزم في شأن آلهتهم أمراً لا رجعة فيه:
{وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} ..
ويترك ما اعتزمه من الكيد للأصنام مبهماً لا يفصح عنه .. ولا يذكر السياق كيف ردوا عليه. ولعلهم كانوا مطمئنين إلى أنه لن يستطيع لآلهتهم كيدا. فتركوه!
{فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون} ..
وتحولت الآلهة المعبودة إلى قطع صغيرة من الحجارة والأخشاب المهشمة .. إلا كبير الأصنام فقد تركه إبراهيم {لعلهم إليه يرجعون} فيسألونه كيف وقعت الواقعة وهو حاضر فلم يدفع عن صغار الآلهة! لعلهم حينئذ يراجعون القضية كلها، فيرجعون إلى صوابهم، ويدركون منه ما في عبادة هذه الأصنام من سخف وتهافت.