و"زُبُراً"يجوز أن يكونَ مفعولاً ثانياً على أن يُضَمَّنَ"تقطَّعوا"معنى صَيَّروا بالتقطيع، وإمَّا أن ينتصِبَ على الحالِ من المفعول أي: مثلَ زُبُرٍ أي: كُتُبٍ؛ فإنَّ الزُّبُرَ جمعُ زَبُور كرُسُل جمعَ رسول، أو يكون حالاً من الفاعل. نقله أبو البقاء في سورة المؤمنين. وفيه نظرٌ؛ إذ لا معنى له، وإنما يَظْهر كونُه حالاً من الفاعلِ في قراءةِ"زُبَرا"بفتح الباءِ أي فِرَقاً. والمعنى: صَيَّروا أمرهم زُبُراً أو تقطَّعوه في هذه الحالِ. والوجهان مأخوذان مِنْ تفسير الزمخشري لمعنى الآية الكريمة، فإنه قال:"والمعنى: جعلوا أَمْرَ دينهم فيما بينهم قِطَعاً كما يتوزَّعُ الجماعةُ [الشيءَ] ويقتسمونه، فيطير لهذا نصيبٌ ولذلك نصيبٌ، تمثيلاً لاختلافهِم فيه وصيرورتِهم فِرَقاً وأحزاباً".
وفي الكلامِ التفاتٌ من الخطاب وهو قوله"أمتُكم"إلى الغَيْبة تشنيعاً عليهم بسوءِ صنيعهم.
وقرأ الأعمش بفتحِ الباء جمع زُبْرَة، وهي قطعة الحديد في الأصل. ونصبُه على الحال من ضمير الفاعِل في"تقطَّعوا"وقد تقدَّم. ولم يَتَعرَّض له أبو البقاء في هذه السورة وتَعَرَّض له في المؤمنين فذكر فيه الأوجهَ المتقدمة وزاد أنه قُرِئ"زُبْراً"بكونِ الباء، وهو بمعنى المضمومِها.
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94)
قوله: {فَلاَ كُفْرَانَ} الكُفْران: مصدرٌ بمعنى الكُفْر. قال:
3358 رأيتُ أُناساً لا تَنام جُدُوْدُهُمْ ... وجَدّيْ ولا كفرانَ لله نائمُ
و"لِسَعْيه"متعلقٌ بمحذوفٍ أي: يكفُر لسَعْيه، ولا يتعلَّق بكفران؛ لأنه يَصير مُطوَّلاً، والمطوَّل يُنْصَبُ. وهذا مبنيُّ. والضميرُ في"له"يعودُ على السعي. انتهى انتهى. {الدر المصون حـ 8 صـ 195 - 197}