والفاء في قوله: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} : عاطفة على محذوف تقديره: فاقترعوا فخرجت عليه القرعة، فرموه في البحر، فالتقمه الحوت، فنادى في الظلمات؛ أي: في ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. وقيل: ابتلع حوته حوت آخر فحصل في ظلمتي بطن الحوتين وظلمة البحر والليل. وقال الشيخ السمرقندي في تفسيره"بحر العلوم": وعندي - والله أعلم - أن تلك الظلمات كانت من الجهات الست، كما قال عليه السلام:"ورأيت رجلًا من أمتي، من بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن يساره ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، فهو متحير في الظلمات".
{أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ} ؛ أي: بأنه، فأن مخففة من أنّ المشددة، أو مفسرة بمعنى أي {سُبْحَانَكَ} ؛ أي: أنزهك تنزيهًا لائقا بك، من أن يعجزك شيء {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} لأنفسهم بفراري من قومي بغير إذنك، فكان ذلك ظلمًا، فعوقب على ترك الأفضل، الذي هو المكث فيهم صابراً على أذاهم، فإنه خرج لا على تعمّد المعصية، بل لظنه أن خروجه موسّع، يجوز أن يقدّم ويؤخّر، فقد وصف يونس عليه السلام ربه، بكمال الربوبية، وهذا القدر يكفي في السؤال،
88 -ولذا قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} دعاءه الذي دعا به، وأظهر به التوبة على ألطف وجه وأحسنه، وأول هذا الدعاء تهليل، وأوسطه تسبيح، وآخره إقرار بالذنب، اهـ شيخنا.
وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما من مكروب يدعو بدعوة ذي النون في بطن الحوت إلا استجيب له". وروى ابن جرير والبيهقي في جماعة عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"دعوة ذي النون في بطن الحوت: لا إله إلّا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط، إلّا استجاب له".