فكيف يلبث في بطن الحوت إلى يوم يُبعثون ، مع أن يونس سيموت ، وسيأتي أجَل الحوت ويموت هو أيضاً ، أم أن الحوت سيظل إلى يوم القيامة يحمل يونس في بطنه؟
وفات هؤلاء نظرية الاحتواء في المزيجات ، كما لو أذبتَ قالباً من السكر في كوب ماء ، فسوف تحتوي جزئيات الماء جزئيات السكر ، والأكثر يحتوي الأقل ، فقالب السكر لا يحتوي الماء ، إنما الماء يحتوي السكر .
فلو مات الحوت ، ومات في بطنه يونس - عليه السلام - وتفاعلت ذراتهما وتداخلتْ ، فقد احتوى الحوتُ يونسَ إلى أن تقوم الساعة ، وعلى هذا يظل المعنى صحيحاً ، فهو في بطنه رغم تناثر ذراتهما . {فاستجبنا لَهُ ...} .
استجاب الله نداء يونس - عليه السلام - ونجَّاه من الكرب {وكذلك نُنجِي المؤمنين} [الأنبياء: 88] إذن: فهذه ليست خاصة بيونس ، بل بكل مؤمن يدعو الله بهذا الدعاء {وكذلك ...} [الأنبياء: 88] أي: مثل هذا الإنجاء نُنْجي المؤمنين الذين يفزعون إلى الله بهذه الكلمة: {لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين} [الأنبياء: 87] فيُذهِب الله غَمَّه ، ويُفرِّج كَرْبه .
لذلك يقول ابن مسعود رضي الله عنه:"ثوِّروا القرآن"يعني: أثيروه ونقِّبوا في آياته لتستخرجوا كنوزه وأسراره .
وكان سيدنا جعفر الصادق من المثوِّرين للقرآن المتأملين فيه ، وكان يُخرِج من آياته الدواء لكل داء ، ويكون كما نقول (روشتة) لكل أحوال المؤمن .
والمؤمن يتقلّب بين أحوال عدة منها: الخوف سواء الخوف أنْ يفوته نعيم الدنيا ، أو الخوف من جبار يهدده ، وقد يشعر بانقباض وضيق في الصدر لا يردي سببه وهذا هو الغَمُّ ، وقد يتعرض لمكر الماكرين ، وكَيْد الكائدين ، وتدبير أهل الشر .
هذه كلها أحوال تعتري الإنسان ، ويحتاج فيها لمَنْ يسانده ويُخرجه مما يعانيه ، فليس له حَوْل ولا قوة ، ولا يستطيع الاحتياط لكل هذه المسائل .