وقد تراوده بهجة الدنيا وزُخْرفها ، فينظر إلى أعلى مِمّا هو فيه ، ويطلب المزيد ، ولا نهايةَ لطموحات الإنسان في هذه المسألة ، كما قال الشاعر:
تَمُوتُ مع المرْءِ حَاجَاتُه ... وتَبْقَى لَهُ حَاجَةٌ مَا بَقِي
والناس تحرص دائماً على أن تستوعب نِعَم الحياة وراحتها ، وهم في ذلك مُخْطِئون ؛ لأن تمام الشيء بداية زواله ، كما قال الشاعر:
إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقْصُه ... تَرقَّبْ زَوَالاً إذَا قيلَ تَم
لأن الإنسان ابنُ أغيار ، ولا يدوم له حال من صحة أو مرض ، أو غِنيً أو فقر ، أو حزن أو سرور ، فالتغيُّر سِمَة البشر ، وسبحان مَنْ لا يتغير ، إذن: فماذا بعد أنْ تصل إلى القمةَ ، وأنت ابنُ أغيار؟
ونرى الناس يغضبون ويتذمرون إنْ فاتهم شيء من راحة الدنيا ونعيمها ، أو انتقصتهم الحياة شيئاً؟ وهم لا يدرون أن هذا النقص هو الذي يحفظ عليك النعمة ، ويدفع عنك عيون الحاسدين فيُسلِّم لك ما عندك .
فتجد مثلاً أسرة طيبة حازتْ اهتمام الناس واحترامهم ، غير أن بها شخصاً شريراً سِّيئاً ، يعيب الأسرة ، فهذا الشخص هو الذي يدفع عنها عُيون الناسِ وحَسَدهم .
وقد أخذ المتنبي هذا المعنى ، وعبَّر عنه في مدحه لسيف الدولة ، فقال:
شَخَصَ الأنَامُ إِلَى كَمَالِكَ فَاستْعِذ ... مِنْ شَرِّ أعيُنهم بِعَيْبٍ وَاحِدٍ
نعود إلى (روشته) سيدنا جعفر الصادق التي استخلصها لنا من كتاب الله ، كما يستخلص الأطباء الدواءَ والعقاقير من كتب الحكماء:
يقول: عجبتُ لمن خاف ولم يفزع إلى قول الله تعالى: {حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل} [آل عمران: 173] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: {فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء . .} [آل عمران: 174] .