وقوله تعالى هنا: {آيَةً لِلْعَالَمِينَ} جاء بالإفراد لا بالجمع، وإن كان في مريم آيات، وفي عيسى آيات، لأن أمر الولادة من غير ذكر، الذي هو محور هذه القصة، هو في الواقع آية واحدة حسبما نبه على ذلك أبو حيان، والمراد"بالعالمين"من اعتبر بهذه القصة من عالم زمانها ثم عالم بقية الأزمان، دلالة على أن الله قادر على كل شيء، وما يشاء الله كان.
وكما اثنى الله في الربع الماضي من سورة الأنبياء على أنبيائه ورسله فقال: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} أثنى عليهم سبحان وتعالى في هذا الربع من نفس السورة، فقال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} .
وقوله تعالى هنا: {رَغَبًا وَرَهَبًا} أي يدعونه وقت الرغبة ووقت الرهبة، في حال الشدة وحال الرخاء، ويمكن أن يكون المراد به أنهم في حالة دعائهم يجمعون بين الرغبة والرهبة وبين
الخوف والرجاء، إذ لا مانع يمنع من ذلك، عند العارفين والسالكين لهذه المسالك، وإذا كان كتاب الله يثني على الأنبياء والرسل السابقين، ويصف أحوالهم وأخلاقهم للمؤمنين اللاحقين، فإنما يضرب المثل بهم، ويلفت النظر إليهم، ليتأكد من جاء بعدهم من الخلف، أن أحسن قدوة يقتدون بها هي سيرة السلف {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] . وهكذا يكون ثناء الله على أنبيائه ورسله في هذه السورة دعوة ملحة إلى ممارسة ما كانوا عليه من فعل الخيرات، والمسارعة على المبرات، ومن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والتزام العبادة والخشوع، بشكل متواصل غير مقطوع.