قال الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرت مجلساً غاصاً بالفقهاء والأدباء في دار السلطان. فسئلت عن هذه الآية الكريمة بعد اجتماعهم على أن قول أيوب كان شكاية وقد قال الله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} [ص: 44] فقلت: ليس هذا شكاية ، وإنما كان دعاء. بيانه {فاستجبنا لَهُ} [الأنبياء: 84] والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء. فاستحسنوه وارتضوه. وسئل الجنيد عن هذه الآية الكريمة فقال: عرفة فاقة السؤال ليمن عليه بكرم النوال انتهى منه.
ودعاء أيوب المذكور ذكره الله في سورة"الأنبياء"من غير أن يسند مس الضر أيوب إلى الشيطان في قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ} [الأنبياء: 83] وذكره في سورة"ص"وأسند ذلك للشيطان في قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] والنصب على جميع القراءات معناه: التعب والمشقة ، والعذاب: الألم. وفي نسبة ما أصابه من المشقة والألم إلى الشيطان في آية"ص"هذه إشكال قوي معروف. لأن الله ذكر في آيات من كتابه: أن الشيطان ليس له سلطان على مثل أيوب من الأنبياء الكرام. كقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99 - 100] ، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} [سبأ: 21] الآية ، وقوله تعالى عنه مقرراً له: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي} [إبراهيم: 22] ، وقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين} [الحجر: 42] .
وللعلماء عن هذا الإشكال أجوبة. منها ما ذكره الزمخشري قال: