وفيه أن بعض إخوانه ممن صابره ولازمه قال: يا نبي الله لقد أعجبني أمرك وذكرته إلى أخيك وصاحبك ، أنه قد ابتلاك بذهاب الأهل والمال وفي جسدك ، منذ ثمانية عشرة سنة حتى بلغتَ ما ترى ؛ ألا يرحمك فيكشف عنك! لقد أذنبت ذنباً ما أظن أحداً بلغه! فقال أيوب عليه السلام:"ما أدري ما يقولان غير أن ربي عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان وكل يحلف بالله أو على النفر يتزاعمون فأنقلب إلى أهلي فأكفر عن أيمانهم إرادة ألا يأثم أحد ذَكَره ولا يذكره أحد إلا بالحق"فنادى ربه {أَنِّي مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين} وإنما كان دعاؤه عَرْضاً عرضه على الله تبارك وتعالى يخبره بالذي بلغه ، صابراً لما يكون من الله تبارك وتعالى فيه.
وذكر الحديث.
وقول سابع عشر: سمعته ولم أقف عليه أن دودة سقطت من جسده فطلبها ليردّها إلى موضعها فلم يجدها فقال:"مَسَّنِيَ الضُّرُّ"لما فقد من أجر ألم تلك الدودة ، وكان أراد أن يبقى له الأجر موفراً إلى وقت العافية ، وهذا حسن إلا أنه يحتاج إلى سند.
قال العلماء: ولم يكن قوله"مَسَّنِيَ الضُّرُّ"جزعا ؛ لأن الله تعالى قال: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} [ص: 44] بل كان ذلك دعاء منه ، والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى ، والدعاء لا ينافي الرضا.
قال الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول ؛ حضرت مجلساً غاصاً بالفقهاء والأدباء في دار السلطان ، فسئلت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب كان شكاية وقد قال الله تعالى ؛ {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} [ص: 44] فقلت: ليس هذا شكاية وإنما كان دعاء ؛ بيانه {فاستجبنا لَهُ} والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء.
فاستحسنوه وارتضوه.
وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال: عرّفه فاقة السؤال ليمنّ عليه بكرم النّوال.