وقد تمحَّك هؤلاء كثيراً في قصة عبد الله بن أم مكتوم ، حينما انشغل عنه رسول الله بكبار قريش ، والمتأمل في هذه القصة يجد أن ابن أم مكتوم كان رجلاً مؤمناً جاء ليستفهم من رسول الله عن شيء ، فالكلام معه ميسور وأمر سَهْل ، أمّا هؤلاء فهم رؤوس الكفر وكبار القوم ، ولديهم مع ذلك لَدَد في خصومتهم للإسلام ، والنبي صلى الله عليه وسلم يحرص على هدايتهم ويُرهِق نفسه في جدالهم أملاً في أنْ يهدي الله بهم مَنْ دونهم .
إذن: النبي في هذا الموقف اختار لنفسه الأصعب ، وربه يعاتبه على ذلك ، فهو عِتَاب لصالحه ، له لا عليه .
ثم يقول الحق سبحانه: {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يخشى}
إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)
أي: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ، وإنما أنزلناه (تذكرةً) أي تذكيراً (لمَنْ يَخْشَى) الخشية: خَوْف بمهابة ؛ لأن الخوفَ قد يكون خوفاً دون مهابة ، أمّا الخوف من الله فخوْف ومهابة معاً .
تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4)
تنزيلاً: مصدر أي: أنزلناه تنزيلاً ، وقد ورد في نزول القرآن: أنزلناه ، ونزلناه ونزل ، يقول تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر * لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا} [القدر: 14] .
لأن القرآن أخذ أدواراً عِدَّة في النزول ، فقد كان في اللوح المحفوظ ، فأراد الله له أن يباشر القرآن مهمته في الوجود ، فأنزله من اللوح المحفوظ مرة واحدة إلى السماء الدنيا . فأنزله أي الله تعالى ثم تَنزَّل مُفرَّقاً حسْب الأحداث من السماء الدنيا على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نزل به جبريل: {نَزَلَ بِهِ الروح الأمين} [الشعراء: 193] .
وقوله تعالى: {مِّمَّنْ خَلَقَ الأرض والسماوات العلى} [طه: 4] .